في أغسطس 2023، حين بدأ الهدم في مقابر الإمام الشافعي والسيوطي بالقاهرة، صار "النزع" حاضرًا في اليومي؛ في الأبواب المفتوحة على عجل، وفي الأغراض التي تُجمع قبل أن يُحسم المصير، وفي الصمت الذي يسبق الاختفاء.
كان آخر ما تبقّى من مقابر السيوطي بشرق القاهرة حوشًا واحدًا. في ذلك اليوم، كان بابه مفتوحًا، لكن على غير العادة لم أجد السيدة التي اعتدت رؤيتها تجلس أمامه. طرقت الباب، فوجدتها نائمة على الأرض، تحيط بها حقائب وأغراض جُمعت على عجل. كانت تستعد للرحيل. بصوتٍ تائه قالت: “اتولدت هنا، واتجوزت وخلفت ولادي، معرفش مكان غيره… هروح فين؟”
رغم أحاديثنا العابرة كلما مررت بها، كانت ترفض دائمًا تصويرها أو تصوير المكان، وتكتفي بتحذيري المعتاد: “خلي بالك من نفسك، ما تمشيش من الطريق ده لوحدك”. لكن في ذلك اليوم، طلبت مني أن أصوّر الحوش من دون أن تظهر في الصور. قالت بهدوء خالٍ من المفاجأة: “صوّري… خلاص هيتهد”.
لم تكن كاميرتي معي، فالتقطت ما استطعت بهاتفي المحمول، محاولة الاحتفاظ بلحظة كانت تعرف أنها الأخيرة.
في أغسطس 2023، حين بدأ الهدم في مقابر الإمام الشافعي والسيوطي، لم يعد التغيير فكرة عامة، بل تجربة معاشة. صار “النزع” حاضرًا في اليومي؛ في الأبواب المفتوحة على عجل، وفي الأغراض التي تُجمع قبل أن يُحسم المصير، وفي الصمت الذي يسبق الاختفاء.
لم تكن هذه السيدة استثناءً، بل جزءًا من حياة كاملة تشكّلت داخل مقابر القاهرة. أماكن يُفترض أن يسكنها السكون، لكنها احتضنت تاريخيًا أحياءً مأهولة بالحياة والعمل. بيوت صغيرة التصقت بالقبور، وطرقات حفظت خطى أهلها، وأيام تكرّرت حتى صارت اعتيادًا. هنا، لم يكن الموت نقيضًا للحياة، بل جاره الأقرب. عاش الناس بين شواهد القبور، عملوا في خدمتها، وبنوا علاقة يومية مع المكان؛ علاقة لا تُرى بسهولة، لكنها تتشكّل مع الزمن.
مع تكرار التجوال، بدأت تظهر كلمة “نزع”، كتابة بسيطة على حجر، أو علامة على جدار. لا تشرح نفسها ولا تعلن موعدها، لكنها تحمل في صمتها معنى التحوّل القادم. ومع الوقت، لم تعد الكلمة مجرد إجراء إداري، بل صارت حالة انتظار معلّقة، تُخيّم على المكان وتسبق غيابه.
لا يتعلّق النزع بفقدان المأوى وحده، بل بفقدان علاقة كاملة مع المكان. علاقة تشكّلت من التكرار والاعتياد، من تفاصيل صغيرة لا تُلاحظ إلا حين تختفي. وحين يُنزَع المكان، يختل الإيقاع الذي كان ينظّم الحياة اليومية، ويصبح المستقبل مساحة غامضة يصعب تخيّلها.
مع بداية الهدم في “القرافة”، كانت هناك صور لم أستطع التقاطها. فتاة تحمل كفنًا جديدًا، تقف إلى جوار حارس مقبرة، تمهيدًا لنقل رفات أهلها. لم تكن تبكي، لكن حزنها كان حاضرًا في الصمت. مشهد لم أستطع فيه انتهاك حرمة الموت أو الفقد بالتصوير.
وفي مرة أخرى، بينما كنت أستعد لالتقاط صورة، سمعت صراخًا وبكاءً. تركت الكاميرا وذهبت لأرى ما يحدث. كانت فتاة أخرى، صرخت لحظة فتح القبر ورؤية ما تبقّى من أهلها. لم أعرف وقتها ماذا أفعل، سوى أن أواسيها، لعل المواساة تخفّف شيئًا مما تمرّ به.
لقطات كثيرة لم تُسجَّل في الكاميرا، لكنها بقيت محفورة في الذاكرة، كجزء من السرد غير المرئي للمكان.
هذه اللحظات، المرئية منها وغير المرئية، لم تكن معزولة عن سياق أوسع. ففي السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة التغيير في القاهرة، حتى بدا أن المدينة تُعاد صياغتها قبل أن تلتقط أنفاسها. أحياء تُزال، ومناطق تُفرَّغ من سكانها، وأخرى تظهر بملامح جديدة، فيما تحاول الذاكرة اللحاق بما يتغيّر قبل أن يختفي.
عملي على هذه الصور لم يتوقف عند المقابر، بل أحاول التوسع لرصد تحوّلات القاهرة. ومع امتداد العمل، يقترب التوثيق من التجربة الشخصية؛ فالمكان المهدَّد لم يعد بعيدًا، والمدينة التي أُصوّرها باتت جزءًا من حياتي اليومية. هنا، يتداخل الخاص بالعام، وتتحوّل الصورة من تسجيل إلى محاولة للفهم.
ربما لا نستطيع إيقاف التغيير، لكن يمكننا الإنصات إليه؛ أن نلتقط أثر المكان قبل أن يبهت، وأن نحفظ في الذاكرة ما تعجز الخرائط عن الاحتفاظ به.
ما أحاول التقاطه ليس عن الهدم بل عن اللحظة التي تسبقه؛ عن الوقوف في المسافة الهشّة بين ما كان، وما يتشكّل الآن، قبل أن يجد له اسمًا في الذاكرة.
حوش السيدة، بمقابر سيدي جلال قبل إزالته بأيام.
مشهد عام لمنطقة مقابر سيدي جلال “السيوطي” بالسيدة عائشة بالقاهرة قبل الإزالة، تم التقاطها في 2023،وحاليا تم إزالتها وأصبحت طريقا “محور صلاح سالم الجديد”.
مشهد من مقابر المجاورين ويظهر فيها الطراز المعماري الذي تتميز به مقابر القاهرة.
أحد أسقف مقابر منطقة الإمام الشافعي وهي مقبرة علي باشا فهمي، وكانت معرضة للإزالة كما حدث لكثير من مقابر منطقة الإمام الشافعي التي كانت تتميز بالطابع المعماري والتراثي المميز.
أحد مقابر منطقة الإمام الشافعي والمكتوب عليها إزالة وتمت إزالة المقبرة بالفعل ضمن حملة الإزالات الأخيرة.
سيدة من سكان مقابر المجاورين، تجلس أمام المدفن الذي تعيش فيه، تعمل في خدمة المقابر وتعيش منذ ولادتها في المنطقة هي وأسرتها.
سيدة تعمل في تجميع الورود والخوص والذي يتم شرائه أثناء زيارة القبور لوضعها على قبر المتوفي وهي من المهن المرتبطة بالعمل في المقابر كما يعيش من يعمل بها في المقابر أيضا.
صورة ليد رجل يعمل في كتابة اللوحات التي توضع على قبر المتوفي.
رجل ينظف المقابر ويعتني ويرش المياه قبل زيارة أصحاب المدافن لموتاهم.
أحد مدافن منطقة مقابر الامام الشافعي والتي يسكن بها عائلة من سكان المقابر ويعملون في حراستها.
من منطقة مقابر المجاورين ويظهر فيها الأطفال وهم يلعبون فوق أحد شواهد القبور، ضمن المدفن الذي يعيشون فيه.
مدفن لسيدة تعمل في حراسة المقابر بمنطقة باب الوزير ويظهر مدفن ابنها في الصورة وتدير عملها من هذا المدفن.
مفاتيح لأحد الذين يعملون في حراسة المقابر والذي يكون عادة مسؤول عن منطقة بأكملها.
من سوق الجمعة وهو سوق يقام في قلب مقابر القاهرة من السيدة عائشة لمنطقة الإمام الشافعي ويباع فيه كل شيئ من ملابس وأجهزة وألعاب وأنتيكات وبضاعة مستعملة ويظهر صورة لجلاليب معلقة على حائط مقبرة لرئيس النواب الأسبق.
من مقابر سيدي جلال ومكتوب على حائط المقبرة كلمة “نزع” والتي تكتب عادة قبل الإزالة وتم هدمها حاليا.
صورة لأحد شواهد مقابر منطقة الامام الشافعي والتي تم هدمها وترجع لسيدة تسمى عظيمة حسن الخربوطلي.
عمال شاركوا في هدم منطقة الإمام الشافعي بعد الانتهاء من أعمالهم ويسيرون في الشارع الذي تم هدمه بالكامل.
يظهر في الصورة مدفن عائلة الدرملي وهو ما تبقى من منطقة الامام الشافعي بعد الإزالة ومهدد بالإزالة في الأيام القادمة.
في محاولة لبعض المهتمين كتبوا كلمة تراث على المواقع المميزة في مناطق المقابر ومع ذلك تم الهدم.
صورة لقباب منطقة مقابر السيوطي بعد إزالة كل المقابر التي كانت حولها.
مقبرة طه حسين بعد بناء كوبري طه حسين وكانت مهددة بالإزالة وبعد الإعلان عن إمكانية نقل رفاته لفرنسا وحملات الاعتراض على السوشيال ميديا تم الحفاظ عليها وبناء الكوبري فوقها.
من أمام أحد مقابر منطقة المجاورين، والتي كُتب عليها “نزع” تمهيدا لإزالتها.
بسلام آمنين آية تكتب على مقابر القاهرة كعلامة لمكان آمن ندخله بسلام كتعبير عن سكون وأمان المكان.
من أمام أحد المقابر المميزة في منطقة المجاورين “مقبرة سعيد باشا حليم” يلعب الأطفال مباراة كرة القدم.
من داخل أحد مقابر منطقة الإمام الشافعي والمهددة بالإزالة.
من داخل أحدى المقابر السكنية والتي تعيش فيها احدى عائلات ساكني المقابر في منطقة الإمام الشافعي.
الطريق الجديد أثناء انشائه والذي تم مكان مقابر السيوطي وسيدي جلال بالسيدة عائشة بعد إزالتها.
صورة لفتاة تسير بين ما تبقى من مقابر السيوطي، وهذه المقابر تم ترقيمها ووضع علامة الإزالة عليها تمهيدا لإزالتها في المرحلة القادمة.
من أمام أحد المقابر بمنطقة المجاورين والتي كتب عليها كلمة نزع لإزالتها ثم بعد ذلك تم الشطب على الكلمة في محاولة لتأجيل قرار الإزالة.
هدم منازل منطقة السيدة عائشة ضمن حملة تطوير المنطقة ككل بعد إزالة حي عرب اليسار والمقابر المحيطة.
عائلة من سكان المقابر أثناء استراحتهم أمام الحوش الذي يسكنون فيه بمنطقة مقابر المجاورين.
صورة توضح كوبري طه حسين والذي تم انشائه بعد إزالة العديد من المقابر التي كانت في طريقه.
أحد البيوت التي كانت تقع ضمن منطقة مقابر سيدي جلال أثناء إزالتها.
صورة للإنشاءات الحديثة التي تحدث في القاهرة القديمة بعد إزالة المقابر وعمل الطريق الجديد.
صورة لهدم كوبري الاباجية والذي كان يقع في مقابل قلعة صلاح الدين تمهيدا لإنشاء الطريق الجديد “محور صلاح سالم الجديد”.
صورة لمنطقة حي عرب اليسار وكانت مقابلا لمقابر السيوطي بالسيدة عائشة، تم إزالة الحي بأكمله ضمن أعمال تطوير الميدان، توضح الصورة الأعمال الإنشائية التي قامت كبديل للحي القديم.
صورة لميدان السيدة عائشة بعد إزالته ضمن أعمال تطوير المنطقة.