وين نلعب؟

عمّان، عاصمة يزداد ازدحامها يومًا بعد يوم، العثور على مكان آمن لركل كرة بات مهمة شاقة، يتشارك أطفالها السؤال ذاته: أين نلعب في مدينة تكاد تُخفي سماءها بالمباني، وتغمر هواءها بالدخان والضجيج؟
23 ديسمبر 2025

هل يمكن لمدينة منشغلة بزحمتها أن تتذكّر أطفالها الذين لا يجدون سوى شقق ضيّقة يخبّئون فيها رغبتهم في اللعب؟

عمّان، عاصمة يزداد ازدحامها يومًا بعد يوم، العثور على مكان آمن لركل كرة بات مهمة شاقة؛ بحثٌ طويل عن زاوية يقلّ فيها عدد السيارات ويهدأ فيها مرور المارّة.

في مواجهة هذا الازدحام، يلتفت الأطفال إلى بعضهم، كأنهم يتشاركون السؤال ذاته: أين نلعب في مدينة تكاد تُخفي سماءها بالمباني، وتغمر هواءها بالدخان والضجيج؟

بالنسبة لي، القادمة من جنوب الأردن، بدا هذا التفاوت صارخًا؛ هناك حيث يلعب الأطفال على الجبال، ويتسلقون القمم، ويركضون خلف الأغنام، ويركبون الخيل دون خوف أو قيود. الطبيعة نفسها كانت ملعبًا مفتوحًا، هواءً نظيفًا وفضاءً يعيد تعريف معنى اللعب وقيمته. بينما في المدينة، ينبهر الأطفال بالنوادي والمساحات الخضراء القليلة -إذا أُتيحت لهم- كأنهم يكتشفون شيئًا نادرًا. اللعب ليس ترفًا للأطفال؛ هو ما يصنع شخصياتهم، ويصقل علاقتهم بالعالم، ويمنحهم فرصة لفهم أنفسهم.

خلال البحث عن الأطفال في شوارع عمّان، بدا واضحًا غياب مشاهد اللعب تقريبًا في الأحياء الغربية من المدينة مثل: أحياء عبدون ودير غبار و دابوق ؛ فهنا يعيش غالبًا أبناء الطبقة الأعلى من المتوسطة، ممن تتوفر لهم نوادٍ خاصة، وملاعب مغلقة، ومساحات واسعة داخل البيوت، ما يجعل اللعب في الشارع أقل حضورًا في يومياتهم. على عكس ما يظهر في الأحياء الوسطى والشرقية، حيث يظل الشارع مساحة مفتوحة وضرورية للعب، رغم كل ما فيها من ضيق وخطر.

على الرصيف أسفل البناية، في منطقة جبل الحسين  يجلس وسام وعمر.

طفلان في العاشرة، يحملان كرة بين أيديهما وينتظران تلك اللحظة القصيرة التي يهدأ فيها الشارع، ليكملا لعبتهما كأنهما يخطفان وقتًا من قبضة المدينة.

الشارع هو ملجأهما الأول؛ مساحة تتقلّص يومًا بعد يوم، لكنها ما تزال المكان الذي يجمعهما ببقية الأطفال، حيث يشعرون بأنهم أحرار، يركضون بلا حساب، غير آبهين بضيق الطريق، أو بانزعاج الجيران، أو بقلق السائقين من كرة قد تنحرف فجأة.

ورغم أن جيوبهما منتفخة بالهواتف المحمولة، إلا أن الرغبة في الركض خلف الكرة أقوى من كل ما تَعِد به الشاشات.

وبالقرب من دوار فراس  ينتظر جوان ويوسف نهاية الأسبوع بفارغ الصبر، كي يجتمعا مع آدم وميار. يلعبون كل أنواع الألعاب التي لا تحتاج أدوات كثيرة؛ يصنعون بهجتهم بأيديهم، ويرجون أن يطول النهار قبل أن يعود كل واحد منهم إلى منزله في منطقة مختلفة.

هؤلاء الأطفال، في شوارع عمّان، يخلقون عالمهم الصغير رغم كل ما يضيق حولهم.

أحيانًا يحتاج اللعب إلى تجاوز حدود المدينة نفسها، إلى خلق مساحة ولو قصيرة، وسط الاكتظاظ وضغط المباني.

هؤلاء الأطفال، الثائرون أولًا بسبب فضولهم ورغبتهم في الحركة، يرفضون أن تُسلب طفولتهم.

يتسلّقون الأسوار، يتخطّون الأقفال، يتحدّون القواعد والممنوع المكتوب على الجدران، ويحوّلون الشوارع الضيقة إلى عالمهم الخاص؛ ي لحظة الركض، وفي ضحكة عفوية، يصنعون حريتهم بأنفسهم، ويثبتون أن للطفولة مساحة، حتى لو لم تعترف بها المدينة.

التقيت سلطان (12 سنة) ورفاقه الذين يسكنون بناية على شارع رئيسي في منطقة السابع، حيث لا مكان للعب في الشارع. لكنهم وجدوا بديلهم: ساحة المدرسة في الحي. مساحة واسعة لا تقتصر على التعليم فقط، بل تصبح ملعبهم السري.. “دايمًا بنلعب هون”، يقول سلطان بابتسامة، دون أن يفكر بالعواقب، وهو يتسلل مع رفاقه متحدين حارس المدرسة.

تجولتُ في أحياء كثيرة من عمّان، وفي أغلبها اختفى المشهد القديم: أطفال يلعبون الغميضة، أو يتسابقون بالدراجات، والطرق التي كانت مليئة بالضحك واللعب ابتلعها ضجيج المدينة.

كأن الأطفال ذهبوا، وحل مكانهم الكبار، ليجدوا أنفسهم في عالم لا يتسع لهم ولرغبتهم في الحياة.

ومع كل ذلك، يظل السؤال يلوح في وجوههم الصغيرة كل يوم: وين نلعب؟