هنا– هناك.. بحثًا عن بيت

هل تقصّدت الكاميرا تظهير الغربة بهذه اللقطات المتداخلة؟ وهل تعمّدت رصد علاقتي المهتزّة مع البيت الأوّل، تلك العلاقة التي تبدّلت إلى الأبد؟
ــــــــ البيتــــــــ الحركة في المدينة
27 فبراير 2026

لا بدّ من أن تأتي تلك اللحظة التي يضطرّ فيها الفرد إلى مغادرة منزله، ومنها ستبدأ رحلة التعرّف إلى الآخر الغريب، أو رحلة السؤال الأزلي: إلى أين؟

غادرتُ محافظتي المنوفية نحو القاهرة في عمر الخامسة والعشرين، مدفوعًا بأحلامٍ فنيّة ساذجة. شعرتُ أنّ الخروج من حدود المدينة الصغيرة شبين الكوم إلى العاصمة سيوفّر لي المزيد من الفرص، وعرفت في قرارة نفسي أنني سأتغير، وسينتج عن ذلك الانتقال ذاتًا منقسمة، واحدة «هُناك» والأخرى «هنا»، ما لم أعرفه أنني في لحظةٍ ما سأشعر بالاغتراب عن كُلّ البيوت. والحقيقة أن حسّ الاغتراب المتنامي داخلي ليس وليد موقف أو قرار معين، بل عملية تراكميّة. أدركتُ منذ مراهقتي أن كُلّ كتاب وكُلّ فيلم هو بمثابة خطوة أبعد عن نفسي القديمة، ليس بالضرورة أبعد عن البيت، ففعل الإزاحة يدفعني غالبًا نحو الداخلي لا الخارجي، نحو معنى آخر للبيت، وجوهر مختلف للحياة. خلقت تلك الخطوات الصغيرة مسافة بيني وبين عائلتي ومنزلي ومجتمعي، مسافة لا تدلّ على أي تميّز، إلا أنني أدركتُ من خلالها أنّ لدي طموحات بعيدة تمامًا عن أمنيات أهلي وتوجهات أصدقائي التي تميل للزواج والاستقرار وتكوين أسرة.  

وددتُ لو كنت الفتى الذي أراده والدي. عندما أنظر إلى أمي أعرف أنني لم أكن الابن المثالي، ولا الأخ المثالي، ولا حتى الصديق المثالي. أحلم أحيانًا بذاكرة موازية، تكتفي بالأحلام البسيطة، مثل الكثير من أصدقائي الذين آثروا الاستقرار مع أحبائهم والاكتفاء بدوائرهم الصغيرة.

وأنا على مشارف الثلاثين الآن يرتبط بيتي ودائرتي القديمة ومدينتي الأم بضغط اجتماعي يتذرّع بالزمن. أنا في عُرف المجتمع كبير في السن، ولكن على الناحية الأخرى، عُمرى الفني ما زال فتيًّا. إنني ممزق بين أثمان مُختلفة للزمن يجب أن تُدفع، أعيش بيرسونا حقيقية بين عالمي القديم والجديد، أضيع في مدينة عملاقة مثل القاهرة لدرجة تجعلني غير مرئي، فأمتلك وهم التحرر، كأنني أرتدي قبعة الإخفاء، وفور وجودي في مدينتي شبين الكوم أصبح مرئيًا لدرجة تُضخّم الحضور والمشاعر بسبب كلّ معارفي هناك. أعرف في النهاية أنني لست في أيّ منهما. يبدو فعل الحركة ذاته مُخادع، يمكنه بسهولة أن يمنحك شعورًا بالانتماء لأشياء عابرة، فلا يمكن لذات ساكنة أن تزيل اغترابها، لما يحمله البيت الأول من ذاكرة لا يمكن استبدالها. ذاكرة المنزل ثابتة، منقوشة على أجسادنا كمجموعة من العادات العضوية، كما ينوه الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار.

في سنوات مكوثي في القاهرة، ومع امتداد العلاقات، تحوّلت زياراتي الأسبوعية إلى بيتي الأوّل لزيارات شهرية وأحيانًا يمرّ شهران دون زيارة واحدة. صار مسكني مع أصحابي في السيدة زينب هو «الآخر الغريب» الذي شعرت نحوه براحة أكبر.

لم أكن أدرك أن شعور الغربة الذي أحمله بداخلي أصبح جزءًا مني، يتضاعف أحيانًا في نوبات ويخفت في نوبات أخرى، رُبما لذلك قرّرت أن أصور منزل أهلي، وسكن أصدقائي. صوّرتهما دون تصوّر واضح لما سأفعله بهذه اللقطات، ولكنني فعلت ذلك في محاولة لتوثيق العالم كمدخل لفهمه، لتداهمني أفلام الخام بصور شكّلت القصّة بمعزل عني.. بالأبيض والأسود، أردت الرجوع إلى بيت أهلي، لكن الفيلم الذي  صوّرته خرجت نتائجه مغايرة، جاءت بعض الصور مليئة بالتعريض المزدوج (Double exposure) دون أن أقصد ذلك. حدثت مشكلة في تمرير شريط الفيلم داخل الكاميرا، فأصبح الإطار الواحد يصوّر في بعض اللقطات صورتين أو ثلاثة، ذلك الانشطار الذي يظهرني كشبح، أو يدمج بعض الصور ببعضها، جعلني أمسك ذلك الشعور الذي أظهرته الكاميرا: هذا أنا، وهذا البيت الذي تركته قد صار غبشًا بلا هيئة واضحة. هل تقصّدت الكاميرا تظهير الغربة بهذه اللقطات المتداخلة؟ وهل تعمّدت رصد علاقتي المهتزّة مع البيت الأوّل، تلك العلاقة التي تبدّلت إلى الأبد؟ 

في المقابل، صرفت وقتًا في التقاط الصور الملوّنة من داخل بيتي المشترك مع أصدقائي، تلك المساحة المكتظة والمُتراكمة بالأغراض والأفكار، وبغرف ضئيلة للعيش، حتى حضور شركائي في السكن/أصدقائي في تلك الصور الملونة هو شيء مؤقت، وليس ظهورًا نهائيًا واضح الملامح، تظهر وجوههم مُظلمة بنمط “صور ظليّة” تتقاطع تمامًا مع ظهورهم المؤقت الذي سيضيع عند نقطة ما وينتهي، أو يظهرون من الخلف في حضور جسدي يوازي المجهول. فرغم المساحة المترامية للقاهرة إلا أنك لا تلبث أن تشعر بضيق مكاني.. أمام المنزل لا يوجد إلا درب صغير يؤدي إلى حارة تنفتح على شارع رئيسي مكتظ، القاهرة هي مدينة الجدران حيث المشي اللانهائي محكوم بعدم الوصول. أمامك مليون وجهة، وعليك أن ترضى بالمؤقت لأن نسيج العالم ذاته مؤقت… ذلك المؤقّت الذي التقطته الكاميرا عنّي.