في الأمسية الأولى من رمضان كلّ سنة، يتغيّر المحتوى المقدّم عبر القنوات التونسية بشكل كليّ تقريبًا. تغزو مسلسلات درامية جديدة الشاشات، وبرامج هزليّة وبقايا برامج على غرار الفوازير والكاميرا الخفية، التي رغم تراجع شعبيتها، تظلّ هناك محاولات يائسة لإحيائها هنا وهناك. هذه الحركية في الإنتاج، تجعلنا نغفل غالبًا عن منتج رمضاني آخر، ربما هو الأشرس والأكثر تجديدًا وإبداعًا كلّ عام.
هذا المنتج، هو الإعلانات أو كما تُسمّى في النسخة التونسية من الفصحى «الومضات الإشهارية». صنعت الومضات أمجاد علامات تجارية كثيرة. فبفضل تفطّنها مبكرًا لأهمية الإشهارات، حازت بعض العلامات على عصا السبق، حتى صار اسمها رديفًا للمنتجات في ذاتها، بصرف النظر عن الشركات المصنّعة لها، مثل «صافية». ففي الدارجة التونسية، لا تقال عبارة مياه معدنية، وإنما يقال عنها ماء صافية، في إشارة إلى أولى شركات تعبئة المياه المعدنية في تونس، منذ عقود طويلة. بفضل ريادتها، وإعلاناتها المتواصلة، نحتت الشركة مكانة لمنتجها داخل سوق استهلاكي لم يعتد قبلها شرب المياه من القوارير البلاستيكية. نجحت الشركة في افتكاك مكانة لها، إلى درجة صارت أي مياه معدنية، بقطع النظر عن علامتها التجارية تُسمّى «صافية».
مثل كلّ سنة في رمضان، تتنافس الومضات، تثير السخرية والامتعاض وأحيانًا الشجن. وبسلاسة، تفرض مكانتها ضمن المشهد الرمضاني. غير أنّ لهذه الإعلانات، حكاية تسير بالتوازي مع تغيّرات المجتمع، صراعاته السياسية ومحاذيره أيضًا، فيما تحتفظ بعلاقة تكاملية لكن متوتّرة مع المؤسسات الإعلامية التونسية التي باتت تخضع برمجتها وسقف حريّتها أحيانًا لشروط المُعلن نفسه.
مرأة للعائلة التونسية وتغيّرها
في رمضان عام 1998، وقبل أن تتحوّل الـ «أ. ت. ت.» إلى قناة «تونس سبعة» (نسبة لإنقلاب الرئيس بن علي بتاريخ السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1987) بثّت القناة ومضة إشهارية لمنتج الكسكسي الذي تقدّمه شركة «دياري» التونسية. قبل تلك الفترة، كانت غالبية الأسر التونسية تحرص على إعداد العولة بنفسها، وهي مؤونة سنة كاملة من الكسكسي المنزلي، تشرف عليها النساء منذ زمن طويل. غير أن تغيّر الظروف، وخروج الكثير من النساء للعمل وتنامي النزعة الاستهلاكية السريعة، فرضت التخلّي التدريجي على تعويل مواد غذائية عدّة، بداية بالتوابل ووصولًا أخيرًا للكسكسي الذي صار من الممكن الحصول عليه من المتاجر وبكميات يومية بسيطة تفي بالحاجة. وهنا ازدهر عمل مصانع المعجّنات على غرار «دياري» التي كانت سبّاقة بدخول عالم الإعلان المتلفز.
اليوم يبدو هذا الإعلان بسيطًا جدًا وخاليًا من أي مظاهر الإبداع، قوامه رجل يركب درّاجة هوائية وضع في صندوقها كمية من منتوج «دياري». مع ذلك بقي الإعلان في الذاكرة، وإلى اليوم يتواتر نشره في مواقع التواصل الاجتماعي بكثير من الحنين إلى زمن جميل مضى.
ربما تكمن أهميته اليوم في أنه يعكس روح مرحلةٍ تغيّرت فيها العادات الغذائية والسلوكية لقسم كبير من المجتمع، فضلًا عن أدواره الجندرية، بعدما لم يعد المطبخ ومخزن العولة عالم سيّدة المنزل الوحيد. مع الوقت، يصبح لهذه الومضات أدوارًا أخرى، كأن تكون شواهد على مراحل وأفراح كبرى، مثل ومضات تصاغ على شرف كؤوس العالم وأفريقيا.
رغم التراجع الاقتصادي الواضح اليوم، وتآكل قسم لا بأس به من الطبقة الوسطى، إلا أن الأخيرة لازالت تمثّل عماد النسيج المجتمعي التونسي. ومعها لا زالت قيم التعليم، باعتباره مصعدًا اجتماعيًا ومقياسًا للنجاح، حاضرة في التمثل الجماعي. يعدّ إشهار «وردة» (وهي منتج معجّنات آخر شهير) الذي عرض خلال رمضان الماضي مثالًا على ذلك. تنطلق الومضة، بمكالمة تتلقّاها فجرًا والدة في إحدى قرى الشمال الغربي. في المكالمة يطمئنها ابنها على نفسه، ويعدها بزيارتها إثر الامتحانات. غير أن قلب الأم دليلها، كما يقولون. وعوض الانتظار، تحمل حقيبتها وتقرّر السفر. تعبر طريقًا ريفيًا طويلًا، ثم تأخذ سيارة على الطريق، وتخوض على إثرها رحلة عبر القطار، تنتهي بالوصول إلى العاصمة حيث تفاجئ ابنها. تتركه لدروسه، وتتجه نحو المطبخ، لتعد له طبق معكرونة (من صنف «وردة» طبعًا) يتشاركانه على العشاء.
عوامل الموسيقى والإضاءة والديكور عزّزت شاعرية تلك الومضة، لكن أساسها يبقى القصة وتجربة الحياة الطلاّبية في مدينة بعيدة، ورائحة معكرونة الأم، أي تلك المعاني التي يتشاركها الكثير من التونسيين، سواء خبروها بأنفسهم أم لا. هذا العام، بُث إعلانًا آخر، لمؤسسة تحويلات مالية إلكترونية عبر الحدود اسمها «وفاء كاش». في صدفةٍ غريبة، يبدو الإعلان وكأنه الجزء الثاني من إعلان «وردة»، إذ بعد مرور سنوات عدة ستنقلب الأدوار.
في هذا الإعلان، تقف سيّدة كبيرة في السن داخل مطبخها وفجأة تتلقّى إشعارًا في الهاتف. تقترب منه، ويردها اتصالًا من ابنها الثلاثيني الذي يتضح من شكل البنايات من حوله أنه في أوروبا. وما إن ترفع السماعة، ترتسم على وجهها بسمة، عندما يعلمها أنه أرسل لها عبر «وفاء كاش» مبلغًا ماليًا لاقتناء قضية الدار، أي مستلزماتها.
في الومضة الأولى، تُسخّر الأم وقتها ومالها، حتى تيسّر لابنها مسيرته الدراسية. أما في الومضة الثانية، فيبدو أن والدة أخرى، صارت تقطف ثمار ما ضحّت به مسبقًا، وفي الومضتين، تظهر التضحيات نفسها التي من المتوقع أن تبذلها كل أسرة تونسية وسطى، وأيضًا الثمار التي ترجوها عندما ينجح ابنها الطالب، ويمسي مهندسًا أو طبيبًا في الخارج، ما يعكس الأيام الحالية التي صار فيها الشتات التونسي في المهجر واقعًا داخل كلّ أسرة، وحلمًا يطمح إليه الكثيرون. نجحت هذه الومضة في التقاط هذه اللحظة، خصوصًا أن القائمين عليها يسعون إلى أن تكون لصيقة أكثر بالمجتمع وبما يعتمله وما يطرأ عليه.
الذاكرة والعنصرية وهيبة الدولة.. محاذير الدعاية
في حالات أخرى، وعوض التقاط اللحظة، يأتي الإعلان بغير ما يتّفق مع المهجة السائدة. هذه السنة يبدو أن هذا المصير كان من نصيب إعلان شركة «ناتيلي» المتخصصة في صناعات الحليب ومشتقاته. إعلانها الأخير في رمضان الحالي، كان عبارة عن «كاستينغ» لاختيار المكوّن الأفضل من بين الغلال والحلويات لإضافته ضمن مكوّنات كريم التحلية الجديد الذي ستنتجه الشركة. وضمن هؤلاء المتنافسين، رجل يجسّد حلويات الكوكيز. وبقدر التجديد في الإشهار، إلا أن الشركة ارتكبت ما اعتبره دعاة حماية الهوية التونسية من «المهاجرين الأفارقة» اليوم «جريمة كبرى»، وذلك عندما اختارت لتجسيد الكوكيز رجلًا أسود البشرة. في السابق ما كان لمثل هذا الاختيار أن يثير تعليقًا أو غضبًا، غير أنّ تونس منذ أربع سنوات تقريبًا، تعرف ارتفاعًا غير معهود في موجات العنصرية الموجهة ضد سود البشرة، تحت شعارات عدّة، على غرار الخوف على التركيبة التونسية والإحلال الديموغرافي وغيرها من المقولات التي يتبنّاها قسم من اليمين اليوم. صفحة منسوبة لفنان راب تونسي مشهور، كانت على رأس الحملة الموجّهة ضد الممثل الذي اتضح أنه تونسي وبالتالي، تسقط ضده كلّ مقولات مؤامرة الإحلال الديموغرافي. ومع ذلك، كتب صاحب المنشور بعدما دعا إلى مقاطعة الشركة «مع احترامي للتونسي اللي في الصورة.. مجرد تقمص شخصية مستوطن إفريقي.. محاولة غير بريئة لتسهيل توطينهم».
بمجرّد نشر المنشور، تم تداوله كالعادة في الأوساط العنصرية، لكنه سرعان ما غاب في ضجيج الأحداث الداخلية والخارجية على حدّ السواء. وبذلك نجا الإعلان من موجة معادية، لكن هذه النجاة لم تكن من نصيب إعلان المنصف باي الذي يبدو أنه خالف ما هو أكثر من مجرد مشاعر عابرة.
في العادة، لا يتطلّب فهم الومضات الدعائية الكثير من الجهد أو التأويل. بل إن تبسيط المعنى ووضوح الرسالة، هو من جوهر هذه الصناعة الرامية إلى عرض المحتوى التجاري بأكثر ما يمكن من التبسيط بل والفجاجة أحيانًا، من أجل الوصول إلى العدد الأكبر من الجمهور الاستهلاكي، بكلّ شرائحه. يدفع ذلك بالشركة الإعلانية إلى الاستثمار بالذاكرة التي قد تجذب العدد الأكبر من المشاهدين المحليين، ولو كان ذلك الاستثمار في غير مكانه. فرغم استعانتها بوجه تونسي معروف، جاءت ومضة «تونيزي تيليكوم» التي تعدّ شركة الاتصالات الأكبر في البلاد لهذا العام ملغّزة وغير مفهومة ومثيرة للجدل في الآن نفسه.
في السابق ما كان لاختيار ممثل أسود البشرة أن يثير تعليقًا أو غضبًا، غير أنّ تونس منذ أربع سنوات تقريبًا، تعرف ارتفاعًا غير معهود في موجات العنصرية، تحت شعارات عدّة، على غرار الخوف على التركيبة التونسية والإحلال الديموغرافي وغيرها من المقولات التي يتبناها قسم من اليمين اليوم
تنطلق الومضة من داخل غرفة في فندق ما، يستيقظ داخلها رجل أبيض مشرّب بحمرة، بلحية بيضاء ووجه مستدير، يفتح دولابه، ويختار زيًّا عسكريًا ملكيًا بشرائط ملونة، ومعه ينتقي عددًا من النياشين الفضية وشاشية حمراء مذهّبة. وما إن يستعد، حتّى يغادر غرفته نحو بهو الفندق، ثم إلى ملعب الغولف، ثم إلى المطعم وهكذا. وفي تجواله، تحدث أشياء مبهمة، يعاين حفرة هنا، يحيي يابانيًا بالصدفة، ويلاعب طفلًا هناك. وفجأة تقاطع لعبته سيدة دون سياق واضح وتقول له الآتي «سيدي المنصف، العرس قرب أما الزهاز ما زال» أي أن موعد الزفاف اقترب، دون أن تحضر جهاز بيتها. يلتفت نحوها ويجيبها، جوابًا لا يقل عبثية: «ربّي يزيّن.. شرجيو!». ثم يتحوّل الإعلان فجأة إلى صوت سيدة تعلم المشاهدين بجائزة قيمتها 25 ألف دينار تونسي يفوز بها من يشحن هاتفه من مشتركي الشركة.
ومع انتهاء الومضة، لا يخرج المشاهد بمغزى واضح من الخليط الذي يجمع المنصف باي وجهاز (أثاث ومواعين وثياب العرسان الجدد) والفندق واليابانيين والجائزة الموعودة للمشاهدين. هذه الأفكار المشتتة، لا يجمع بينها سوى رابط باهت أساسه أن واحدًا من أكبر الأسواق الشعبية في العاصمة المخصصة للأجهزة الالكترونية والمكتبية والحيوانات أيضًا، يحمل اسم سوق «المنصف باي». ولكن ذلك لا يكفي ربما، فالومضات حتى في أقصى أصنافها ابتذالًا، تستحق حدًا أدنى من التناسق، حتّى لو لم تكن سوى كيتش.
لم يثر هذا الإعلان بالذات الغضب لسوء حبكته فحسب، ولكن للشخصية المحورية الواردة ضمنه، أي المنصف باي. صحيح أن المنصف باي انتمى لسلالة الملوك الحسينيين، التي وقعّت اتفاقية الحماية مع المستعمر الفرنسي سنة 1881، مقابل البقاء في الحكم ولو صوريًا، إلا أنه تمكن وخلال فترة حكمه القصيرة بين عامي 1942 و1943، من تغيير الكثير من صورة أسرته الحاكمة. وعوضًا عن الانحياز للفرنسيين، انحاز للحركة الوطنية، وتبنّى مطالبها وقاد إصلاحات جسورة جعلته في صدام مباشر مع القوة الحامية، ليكلّفه ذلك في النهاية الخلع من العرش والنفي نحو الصحراء وأخيرًا نحو فرنسا حيث مات عام 1948 في ظروف غامضة.
خلال فترة حكمه القصيرة تحول المنصف لباي محبوب، وإثر عزله أمسى رمزًا لوحدة الحركة الوطنية، ولدى موته صارت ذكراه قصة من قصص البطولة والنضال إلى حين على الأقل.
ففي النهاية تراجعت ذكرى المنصف، لصالح صناعة أساطير ورمزيات جديدة، يحتل قلبها الحبيب بورقيبة كمجاهد أكبر لا نظير له، لهذا همّش المنصف باي وغيره تدريجيًا.
في سنة 2019، كتب الطبيب محمد الشوك مقالًا بعنوان «المنصف الذي لم ينصف» وضمنه كتب محتجًا «من العار ألّا نجد في تونس سوى سوق للتجارة الموازية يحمل اسم المنصف باي». هذا التهميش للمنصف، تحوّل في النهاية إلى سخرية واضحة في ومضة هذا العام. إثر بثها لأول مرة، نشر الشاب طارق الخوفي عبر حسابه الخاص على الفيسبوك «إعلام الطناجر والمغارف والدفايات.. إلى متى هذا العبث؟». وفي الوقت نفسه، تتالت الامتعاضات هنا وهناك. اللافت بخصوص ما حدث، أنه لم يتجاوز الاحتجاج الرقمي الفردي. لم تدن حركة سياسية أو جمعية الومضة، فقط أناس عاديون ودون تنسيق، عبر حساباتهم الخاصة على مواقع التواصل. ومع ذلك يبدو أن موجة الاستنكار والاحتجاج هذه وصلت إلى آذان المسؤولين في الشركة. وفي صمت ودون ضجيج، حذفت الإعلان من صفحاتها الإلكترونية وبداية من اليوم الثالث، اختفى الإعلان من شاشات التلفاز كأنه لم يكن.
لم تعتذر الشركة رسميًا، ولكن من الواضح أن تقييم الغرض من الدعاية والأصداء السلبية حولها عجّلت بهذا القرار، حتى لا يتمادى الأثر العكسي. وبهذا أُغلق القوس. وهو ما لم يكن يحدث بمثل هذه السلاسة في مرّات سابقة. وتحديدًا في تلك المرة من أيار (مايو) عام 2019، عندما رُفعت في أحد شوارع العاصمة الرئيسية لافتة إعلانية عملاقة، لشركة «صافي» وهي علامة تجارية متخصصة في صناعة الزيت النباتي. توسطت المعلّقة سيدة تحمل طبقًا يضم أكلة تونسية قديمة. هذه الأكلة المكوّنة من قطعة لحم محشية وملفوفة بخيوط الطبخ، تحمل اسمًا مثيرًا للسخرية هو «بوليس مكتّف» أي شرطي مقيّد. الاسم، على غرابته، تحوّل إلى عنصر استفزاز بالنسبة للنقابات الأمنية (التي كانت نشطة وقتها)، قبل أن يحلّها النظام الحالي. إذ وٌضع إلى جانبه في المعلّقة، قبعة لأحد أعوان الشرطة. اعتبرت النقابات المعلّقة مساسًا ممنهجًا للنيل من المؤسسة الأمنية، كما نشرت صفحة أساسية للنقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي وقتها على الفيسبوك.
ردّ فعل النقابات الأمنية الغاضبة، أدى في النهاية إلى سحب الإعلان الذي كان أبسط بكثير من أن يكون جزءًا من مؤامرة ما، بل كان فقط محاولة فكاهية غير موفقة، أو ربما موفقة. إذ على خلاف إعلان المنصف باي، نجح البوليس المكتّف في استجلاب سخرية الجماهير، وإن لم يطل أمد ظهوره في شوارعهم.
غير أن قصة الإعلانات لم تتوقف هنا، كمعطى تتحكم فيه معايير النجاح والفشل، ففي الواقع وخلف الكواليس، تحكم هذه الصناعة معطيات أخرى، حوّلتها مع الأيام للعبة من لعب الكبار.
توجيه الرأي العام
إثر الثورة التونسية سنة 2011، استُحدِثت مؤسّسة عمومية جديدة تحت اسم «الهيئة العليا المستقلّة للاتّصال السّمعي والبصري» (الهايكا). جاءت هذه المؤسسة، كتحقيق لأحد مطالب الثورة الأساسية؛ «إعلام حرّ» يقع تنظيمه ويخضع لرقابة مستقلة ومحايدة. وبالفعل سعت الهيئة، أو حاولت على امتداد العشرية الماضية، لعب هذا الدور بكلّ تفاصيله. أحد هذه الملفات التي حاولت الهيئة تنظيمها، مسألة الإعلانات أو الإشهار. وقد بلغت هذه المحاولة أوجها مع إصدار الهيئة قرارها الأوّل لسنة 2018، المتعلق بالقواعد السلوكية للإشهار في وسائل الاتصال السمعي والبصري. حدّد هذا القرار نسبة الإشهار من كل ساعة بث، والتي لا يمكن أن تتجاوز عشر دقائق، واستثنائيًا خلال شهر رمضان، ترتفع هذه المدة لاثنتي عشرة دقيقة. كذلك حاول القرار تقييد اللاتوازن المحتمل بين المنصات، وتنظيم محتوى هذه العملية وخطوطها الحمراء، مثل منع الإشهار السياسي ومنع استغلال الأطفال أو النصوص الدينية سواء القرآن أو الأحاديث.
في آذار (مارس) عام 2024، إثر مرور الأسبوع الأول من شهر رمضان، أصدرت الهيئة تقريرًا أسمته تقرير رصد الاتصال التجاري، وخصّصته لتطبيق قواعد السلوك المضبوطة أعلاه على واقع القنوات التونسية. وبالفعل كشف التقرير عن حالة تفاوت واسع بين المؤسسات الإعلامية، إذ استأثرت قناتان فقط بأكثر من نصف الومضات الإشهارية، هما «تلفزة تي في» و«الحوار التونسي». بينما تجاوزت النسبة لدى أهم إذاعتين، وهما «موزاييك» و«جوهرة» الثلثين، فيما تجاوزت خروقات مدد البث وحجم الفاصل الإعلاني الواحد، المهل المحدّدة. فبالنسبة لقناة «الحوار التونسي» مثلًا، وخلال مدة البث التي تتلو آذان المغرب، وأسماء الله الحسنى بصوت لطفي بوشناق وتمتدّ إلى حدود منتصف الليل، تراوحت المدة المخصصة للإشهار ما بين 27 و36 دقيقة، لتصبح الإشهارات بذلك، منتجًا مقدمًا في ذاته، لا مجرّد أوقات مستقطعة.
للوهلة الأولى، يمكن لهذا التدخل في ضبط المسألة الإشهارية أن يثير نقاطًا للاستفهام في نظام إعلام حرّ، يفترض أنه يخضع لمعطيات العرض والطلب. ومن الطبيعي كذلك أن تحظى القناة ذات البرامج والمسلسلات الأعلى مشاهدة، على زخم إشهاري أكثر من غيرها، مثل قناة «الحوار التونسي»، التي كثيرًا ما وردت على رأس تقارير «الهايكا»، ضمن أكثر القنوات تجاوزًا للوائح الهيئة ومدد الإشهار المسموح بها.
تجاوزت خروقات مدد البث وحجم الفاصل الإعلاني الواحد، المهل الإعلانية المحدّدة، فبالنسبة لقناة «الحوار التونسي» مثلًا، وخلال مدة البث التي تتلو آذان المغرب، وأسماء الله الحسنى بصوت لطفي بوشناق وتمتدّ إلى حدود منتصف الليل، تراوحت المدة المخصصة للإشهار ما بين 27 و36 دقيقة، لتصبح الإشهارات بذلك منتجًا مقدمًا في ذاته، لا مجرّد أوقات مستقطعة
غير أنّ هذه البديهيات، تحجب بعض العوامل البنيوية والهيكلية، على رأسها نسب المشاهدة، والهيمنة على السوق والاحتكار. تمثّل نسب المشاهدة المعطى الأول لكل عملية إشهار، إذ تتحدّد قيمة الأخيرة وحجمها على ضوء جماهيرية القناة ونجاح برمجتها، وهو ما يقع تقييمه عبر نسب المشاهدة وشركات سبر الآراء والإحصاء المختصة. شركات ينتمي جلّها إلى القطاع الخاص، والتي يبدو أنها لم تكن دومًا محايدة أو بعيدة عن تقاطعات سياسية واقتصادية تجمعها مع قنوات ورجال الأعمال والسياسة المتحالفين معها على حساب أخرى، أو هكذا ينسب لها خصومًا على الأقل وعلى رأسها شركة «سيغما كونساي»، التي لاحقتها لسنوات شكايات واتهامات من أحزاب سياسية ومحامين وغيرهم، بسبب ما وٌصف بـ «توجيه الرأي العام لخدمة بعض الشخصيات السياسية او بعض الوضعيات الاقتصادية والاجتماعية على حساب بعض القضايا الأخرى المصيرية». ولسنوات طويلة، كان لصاحب هذه الشركة حسن الزرقوني، حضورًا متواصلًا في برامج وحوارات قناة الحوار التونسي وبدرجة أقل «قناة نسمة» (قناة رجل الأعمال نبيل القروي الذي نافس قيس سعيد في الدور الثاني للإنتخابات 2019 الرئاسية)، معلّقًا على الأحداث السياسية ومقدّمًا لإحصائيات حول شعبية شخصيات عامة وسياسية وحول خيارات مجتمعية واستهلاكية بل وحتى نسب المشاهدة والاستماع. ومن خلال مشاركته الدورية والمتواصلة، جسّد الزرقوني مثالًا على تقاطع مصالح شتّى: الإشهار لمؤسسته الخاصة، وتشجيع المستثمرين للانخراط في دعم «قناة الحوار»، والدفاع عن المصالح السياسية لحلفائه، وتحديدًا حركة «نداء تونس» أي حزب الرئيس الباجي قايد السبسي.
ما بعد «الهايكا».. احتكار السوق
بصرف النظر عن مدى مصداقيتها، فإنّ هذه النسب التي سوّقت لها مؤسّسات سبر الأراء، مثّلت العامل الأول لبناء العملية الإشهارية. وفي محاولة لتنظيم هذه المرحلة، عملت الهيئة سنة 2021 على وضع مشروع جسور، يهدف إلى إرساء هيكل مستقلّ ومحايد يضمّ في تركيبته ممثلين عن الإعلام العمومي والخاصّ والجمعيات بالإضافة إلى المستشهرين، من أجل قياس نسب المشاهدة والاستماع بحياد وتجرد. غير أنّ هذا المشروع لم ير النور في النهاية. إذ أدّت الأحداث السياسية الكبرى منذ حركة الرئيس قيس سعيد سنة 2022، إلى تراجع عمل الهيئة، وفي سنة 2023، لم يعيّن رئيسًا جديدًا لها، ومع مطلع سنة 2024، توقف صرف أجور أعضائها ليتجمد عملها، من دون أن تتعرّض للحلّ الصريح. وبذلك أمسى المشهد الإعلامي دون سلطة تعديلية بديلة.
منذ تلك السنة، غابت تقارير مراقبة عملية الإشهار، وعادت المخاوف السابقة للظهور. فبالإضافة إلى فوضى نسب المشاهدة، أدى غياب الإطار التعديلي إلى توحّش عملية الإشهار، وتحديدًا دور الطرف الوسيط فيها، وهي شركات الإشهار. يتمثّل الدور الأساسي لهذه الشركات، في التوسّط والتفاوض بين وسائل الإعلام وأصحاب المنتجات من جهة أخرى. أما على أرض الواقع فقد هيمنت على هذه الصناعة، أسماء محدودة أهمها وكالة «مايندشير» العالمية التابعة لمجموعة «غروب آم» البريطانية. منذ 2009، ظهرت «مايندشير» بقوة في الساحة التونسية، عبر تصميم حملات إعلانية كبرى، نجحت في صناعة شخصيات على غرار حبّة قمح ترتدي ثياب طفل مراهق، وهي الشخصية التي أصبحت الهوية البصرية لـ «غران دور»، أشهر شركة رقائق حبوب في السوق. كذلك، أشرفت الشركة لسنوات على إشهارات أكبر مؤسسات الاتصالات، أي شركة «اتصالات تونس» التي يبدو أن تجربتها هذا العام معها، لم تكن موفقة إثر إشهار المنصف باي. ومع ذلك وبفضل المقدرات المالية الضخمة، تمكنت الوكالة من فرض احتكار كاسح للسوق، وجعلها في وضع تحكم بعملية إسداء العقود الإشهارية وعوائدها على حدّ السواء.
أيدي الإعلانات الطويلة
تربّع الصحفي المخضرم نوفل الورتاني لسنوات طويلة على عرش نسب المشاهدة عبر برنامجه الشهير «لاباس» خلال السنوات الأولى للثورة في قناة التونسية. لم يكن الرجل هو الوحيد الذي تحدّث عن تغوّل شركات الإشهار في الشاشات التونسية وعائداتها، لكن صوته كان من بين الأعلى خلال السنوات الأخيرة. علا صوته تحديدًا إثر ظهور سابقة، أمست مع الوقت ممارسة، ألا وهي تدخل شركات الإشهار وتحديدًا «مايندشير» في الإنتاج البصري، مع تجربة السلسلة الكوميدية «ولد الطليانية» (2008) للمخرج نجيب بالقاضي، وأخيرًا مع المسلسل الدرامي «رقّوج» للمخرج عبد الحميد بوشناق الذي بثّ على موسمين في رمضان عامي 2024 و2025. عملية التدخل هذه وعلى خطورتها، تتمّ ببساطة وسلاسة، إذ تمنح الشركة الثرية تمويلًا مسبقًا للمخرجين وأصحاب القنوات ومشاريع الإنتاج، مقابل التحكم في عملية الإشهار لاحقًا أثناء بثّه والسيطرة على عائداتها، لتكون النتيجة وفقًا للورتاني، حصول الشركات على حوالي السبعين بالمئة من الأرباح، في حين لا يبقى لأصحاب العمل الحقيقي في النهاية إلا ما يصل إلى الثلث لا غير.
خلق التعويل على الإشهارات العمومية حالة من التبعية التي أدّت إلى مزيد من الخضوع لسردية السلطة وخطّها التحريري، إذ غابت كل الأصوات النقدية عن أعمدتها، وتحوّلت صحف عريقة مثل «الشروق»، إلى منابر للدعاية السياسية الصريحة لمن هم في السلطة
يجرّم قانون المنافسة والأسعار التونسي لسنة 2015 مثل هذه الوضعيات من الهيمنة التي تقتل المنافسة والأسواق، إلا أن غياب هياكل تعديلية قوية، كرّست مع الوقت هذا الواقع، الذي يمسي فيه الوسيط متحكّمًا رئيسيًا في العملية. ومع ذلك يبدو أن تواصل هذه الوضعية، يناسب الكثيرين. إذ أن غياب تنظيم العملية الإشهارية ومراقبتها، يكرّس تبعية المؤسسات الإعلامية لرأس المال وللسياسيين على حدّ السواء. وهي استراتيجية مجربة، أتت بأكلها على الأقل بالنسبة للإعلام المكتوب، الذي ظلّ لسنوات معتمدًا أساسًا على منظومة الإشهار العمومي، أي الإعلانات الرسمية العائدة لمؤسّسات الدولة التجارية والصناعية، والتي توزّعها الأخيرة على صحف ومجلّات مرّ معظمها بصعوبات اقتصادية ومالية خانقة، إثر ظهور الصحافة الإلكترونية وتراجع مبيعات الجرائد الورقية.
خلق هذا التعويل مع الوقت حالة من التبعية التي لم تكن في النهاية لتؤدي إلاّ لمزيد من الخضوع لسردية السلطة وخطّها التحريري، إذ غابت كل الأصوات النقدية عن أعمدتها، ومع الوقت، تحوّلت صحف عريقة مثل «الشروق»، إلى منابر للدعاية السياسية الصريحة لمن هم في السلطة. ولا أدلّ على هذه الوضعية، إلا ما تحدثت عنه في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي كوثر زنطور، رئيسة تحرير مجلة «الشارع المغاربي»، وهي تجربة صحفية مكتوبة ظهرت في أجواء الحرية إثر الثورة، وتبنت عبر جمعها لأهم الأقلام التحليلية مثل زياد كريشان وغيره، خطًا تحريريًا مستقلًا عن كلّ سلطة. وهو ما صمدت فيه لسنوات، إلى أن جاءت اللحظة التي أدى فيها العجز المالي وحرمانها من الإشهار الحكومي، وتوجس رأس المال ومحاصرة الإدارة الجبائية إلى احتجابها وتوقفها عن الصدور نهاية عام 2024.
يمتدّ واقع الإعلام المكتوب حكمًا إلى الإعلام المسموع والمرئي. ففي تصريح قديم للـ «مفكرة القانونية»، تحدّث عضو «الهايكا» السابق هشام السنوسي السابق عن كون «بعض المُستشهرين لا يهمّهم الوصول إلى المستهلكين بقدر ما يهمّهم الوسيلة الإعلامية في حدّ ذاتها، لأنّ كبار المستشهرين معنيّون بالشأن السياسي». وبالتالي يكون دعم مؤسسة إعلامية ما، هدفًا سياسيًا بذاته، يتجاوز أحيانًا فكرة الإعلان الأصلية، أي استجلاب جماهير المستهلكين والترويج للمنتج، بل عوضًا عنها يصبح الإشهار وسيلة للتموضع السياسي ودعمًا للأبواق الإعلامية الحليفة، ولو على حساب معطيات الربح الاقتصادي أو الاتصالي. ولعلّ «مجموعة المبروك»، إحدى أكبر المجموعات الاقتصادية في البلاد، تمثل أفضل تجسيد لهذا المنهج، وتحديدًا من خلال دعمها الواسع للمؤسسات الإعلامية المساندة للتيار الليبرالي ورموزه سواء الباجي قايد السبسي ثم المتنافسين على تركته مثل نبيل القروي ويوسف الشاهد. ففي السنوات الماضية، دعمت المجموعة عددًا مهمًا من هذه القنوات على غرار «الحوار» و«نسمة»، بل وحتى قناة «التاسعة»، التي التحقت بها في مرحلة لاحقة. ورغم الاختلاف الجزئي بين هذه القنوات في دعم سياسيين ضد آخرين، إلا أن «مجموعة المبروك»، حافظت على تقسيم حضور إشهارات شركاتها مثل متجري «جيون» و«مونوبري» واتصالات «أورونج تونس»، بين مختلف القنوات، سعيًا إلى ضمان تحالفاتها مع مختلف تفرّعات التيّار.
محاولات إعلامية للتصدّي
في رمضان هذه السنة، بثّ مسلسل جديد اسمه «أكسيدون» (إخراج مطيع الدريدي) أو الحادث. في أحد مشاهد المسلسل، نجد تعبيرًا صريحًا على هذه العلاقة الربحية المتبادلة والمتوترة بين وسائل الإعلام ورأس المال. في المشهد، تستقبل صحفية في أحد برامج «البرايم تايم»، طبيب تجميل سابق وصاحب واحدة من أكبر وأشهر مؤسسات التجميل في البلاد، للحديث عن تجربته. وفقًا لسير الحبكة، وعندما اقترب الحوار من خطوط حمراء تتعلّق بتجربته وأسرته، لم يعجب الحوار الضيف، وفي لحظة انفعال ينفجر في وجهها، مهددًا إيّاها بقطع عقود الإشهار التي يمنحها لما أسماها «قنوات الطناجر»، وهي شتيمة دارجة بين الناس اليوم، لوصف النشاط الضحل لعدد من القنوات التونسية. رغم اقتضابه، حاول المشهد تسليط الضوء على العلاقة المختلة بين رأس المال والمؤسسات الإعلامية. غير أن اللافت هنا، أنه يغفل عن وجهٍ آخر لهذه المعادلة التي لا يتمّ الالتفات لها في العادة. وذلك عندما تنجح القناة في قلب مراكز القوة في العلاقة بينها وبين رؤوس الأموال، وعوض محاولتها استرضاء المؤسسات الاقتصادية، من أجل استجلاب الاشهار، تنجح في الضغط عليها وابتزازها.
هذه المعادلة، تحدث عن بعض معالمها، لؤي الشابي رئيس منظمة «آلرت» المتخصّصة في مكافحة اقتصاد الريع في تونس. في حوار له مع الكتيبة، تحدّث الشابي، عن بعض الدعوات (دون أن يسمّيها) التي كانت تُوجه لأعضاء المنظّمة للمشاركة في بعض البرامج الحوارية. ونظرًا لكون المنظمة مختصة بالأساس في مكافحة هيمنة كبار لوبيات الأعمال والعائلات الكبرى مثل عائلة المبروك (أصهار الرئيس بن علي سابقًا) واحتكارها للنشاط الاقتصادي في تونس، فإن محتوى الحوارات يكون موجّهًا بالأساس لانتقاد السياسات الاقتصادية لقطاعات بعينها، سواء البنوك أو السيارات أو الصناعات الغذائية. وبقدر ما تتيح هذه الحوارات فرصة للمنظمة وللشبّان فيها لمخاطبة الرأي العام، إلا أنها تمرّر في الخفاء رسائل أخرى، يوجّهها المنتجون وملّاكو المؤسسات الإعلامية نحو رأس المال.. رسالة مفادها أنّنا قادرون على تشويه سمعتكم متى ما أردنا. وفي النهاية تُترجم تلك الرسائل في شكل إعلانات تقدمها المؤسسات الاقتصادية، إتّقاءً لشر المؤسسات الإعلامية. عند ذلك فقط، يغيب الترحيب بالناشطين، ويحرمون من المنبر الذي منحوه سابقًا.
يسحب المنبر الممنوح لأصحابه، وتموّل أعمال تلفزية جسورة، وتُدعم أطراف سياسية، ويُبحث في المجتمع عن أكثر ما فيه إثارة للسخرية أو التقدير، وكلمة السرّ في كل ذلك: الومضات الإشهارية.

















