fbpx

أحاديث المرايا

بعد أحداث محمد محمود (نوفمبر 2011) رأيت لأول مرة بعض الشعرات برأسي وقد ابيضَّت، لحظتها رأيتني مرآة لما يحدث على أرض الثورة من تغيير وعجز.
ــــــــ البيتــــــــ جسد
ندى ثاقب
22 يونيو 2021

مرآة أولى

“ما أنا عارفك.. تقفي قدام المراية ست أشهر”..

فؤاد المهندس في مسرحية “سك على بناتك” 1980

 

لست من المغرمات بمساحيق التجميل، لا أضع منها إلا القليل جدًا في المناسبات، لا أصفف شعري إلا مرة واحدة كلما غسلته.. ورغم ذلك أستهلك زمنًا طويلا أمام المرآة.

لماذا حصلنا نحن النساء على لقب “بتوع مرايات”؟ 

أمام مرآة حمّام بيتي، التي لم يكن لي فضل في اختيارها، بل كانت جزءًا متبقيًا في الشقة حين استأجرناها من صاحبتها العجوز، ربما كانت المرآة ضمن جهازها وهي عروس منذ خمسين سنة مثلًا، أتذكر هذه الحكاية/ الفرضية كل مرة أقف أمام المرآة المتهالكة.

أتشاور مع نفسي.. لماذا لا أجدّدها؟ لن تكلفني كثيرا من المال، وأجيب سريعًا بأن تكلفة الوقوف أمام مرآة فائقة الجودة وفاضحة للعيوب هي تكلفة باهظة للروح. 

أظن أن النفس تميل إلى ما يجمّلها، ولو بالكذب، تمامًا مثل ذلك الولع تجاه الفلاتر التجميلية في تطبيقات الصور المختلفة، التي انتشرت كالنار.

ربما إذن تكسب المرايا المكسورة والمعيبة والمشوَّشة الرهانات أمام زميلاتها عالية الجودة.

لماذا أرى الحقيقة كاملة ما دام ستْرُها على يد مرآتي المتهالكة مريحًا؟ 

أتأمل وجهي رغمًا عن عيوب المرآة، وأرى حبوبه وهالاته الغامقة تائهة وسط بقع المرآة.. ألم تنته فترة حبوب الشباب بعد؟ إلى متى سيظل وجهي يتأثر بمنتهى الحساسية بنفسيتي، أو كلما أكلت كيسًا من المقرمشات الصناعية المحبّبة؟ 

كيس واحد بخمسة جنيهات (30 سنت تقريبًا) كفيل بتهييج جبهتي وابتزازي كل مرة لشراء غسول البشرة الدهنية بــ 137 جنيهًا (10 دولار تقريبًا).

أتعصب فأهرب ببصري سريعًا من وجه لا يرضيني لأصل إلى خط بعرض بطني تركته جراحة سابقة شوَّهت شكله الانسيابي. أحدّثه عبر المرآة.. لماذا لا تزال هنا؟ أأحببتَ الإقامة في جسدي إلى هذا الحد؟ ألم أدفع أموالًا كثيرة للمستشفى ثمنًا لجراحة تجميلية لا تترك أثرًا؟ كم سنة تلزم لمحو الأثر؟ وكم من الصبر سأحتاج لأقبل الأمر؟ أم هي فرصة إلهية لأتأقلم وأزهد وأشكر.

هنا، باقتران شرطي، يعود ألم الجراحة وأوجاع عام كامل سبقها، ظننت واهمة أنني أُعالج فيها، حتى اكتشفت مصادفةً خطأ التشخيص.. بدأت عيني تدمع..

جنيت ما يقرب من 15 كيلوجرام وزنًا زائدًا على جسدي الممشوق بسبب هذه الجراحة وما تلاها من فترة نقاهة طويلة تطلبت حركة ومجهودًا أقل.

ربما أبالغ وأحمّل الجراحة كامل الذنب، بينما يتحمل مطبخي، الذي أقضي به غالبية وقت حظر فيروس كورونا، نصف الوزن على الأقل.

زاد تدفق الدموع.. “لماذا تبكي؟”.. أسألني بعد رجوعي إلى المرآة.. 

• ألا تعلمين أن هالات العين السوداء تزيد بالبكاء؟ 

• اخرسي!  

هل سيلاحظ زوجي اتساع الهالات أم سيتجاهلها، مثلما لم يعلق على شكل حواجبي الجديد إلا عندما أخبرته.. صحيح أنني لم أبلغه سبب ذلك التغيير، سأخبرك يا مرآتي بدلا منه.. بالطبع لن تخبريه لأنكما تتقابلان مصادفة ولمدة لا تزيد على ثوانٍ، حتى إذا غيّرتُك بمرآة جديدة ربما لن يهتم، لأنه يثق باختياراتي ويزهد في حقه بإدارة ديكورات بيتنا، متنازلًا لي عنه بالكامل. 

قبل سنوات من وجود بيت مشترك، أهديتُه مرآة صغيرة عليها أعمال حفر يدوية، من أحد الجاليريهات القيمة، دفعت فيها كثيرا ساعتها، كانت هدية رمزية بعد حصوله على ترقية، لم يستخدم هذه المرآة، حرص فقط أن ينقلها سليمة إلى بيتنا لأتصرّف بها، نائمة هي الآن في واحد من أدراج الدولاب. 

الأفضل أن نعود إلى قصة تغيير شكل حواجبي.. 

زميلتي مي هي السبب، عندما دار حوارنا التالي..

• بتعملي حواجبك فين؟

• باعمل لنفسي.. ليه؟

• رأيي تغيري.. حواجبك مليانة شر، آه والله، شبه ما بنرسم شخصيات الكرتون الشريرة. 

تأملت حواجبي بعدها في جلسة مطولة مع مرآة أخرى، واتفقت مع المرآة على ترك حواجبي بلا تدخل في خلق شكل لها، لا بالخير ولا بالشر. 

ظهر التغيير تدريجيًا، وبعد أشهر سألت زوجي عن رأيه إذا ضايقه شكلها، فأجاب باقتضاب.. “أه.. كده أحلى”. 

بشكل عام، يجيب بـ”لا” السريعة دون تفكير إذا سألته بمباشرة ووضوح قاصدة الشكل.. “أنا حلوة؟”، وإذا امتعضتُ يضيف.. “يعني شكلك كويس بس أكيد فيه ستات أحلى”. 

نسكت.

وفي واحدة من تمشياتنا يرى تأثري وتعاطفي تجاه امرأة مُسنة أنهكتها الحقائب، التي تحملها، مقدمة لها تمتمات وأدعية خلال بقية التمشية، يقولي بهدوء.. “ده الجمال اللي انتي أحلى فيه من كل البنات”. 

“ندى! انتي كويسة؟ طوّلتي أوي.. يالا الماتش بدأ”.. ينبّهني وهو على باب الحمّام، قاطعا حواري مع المرآة، الذي ربما يستمر ساعات لو لم يكن محمد صلاح سيلعب اليوم.

مرآة ثانية 

“عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية”.. صوت متظاهرين.. مصر- 2011

لم أكن وقت ثورة يناير قد بدأت استقلالي عن بيت أهلي في القاهرة، ولم أغيّر “تسريحة” غرفة الأطفال القصيرة، التي كانت تناسب طولي في المرحلة الابتدائية، ظلت التسريحة بمرآتها الصغيرة وحيدة بعد أن تغيرت ملامح الغرفة لتواكب عشرينيات عمري، وضعنا أمامها كرسيًا صغيرًا حتى أستطيع النظر في المرآة دون انحناء،كان موقع التسريحة الملاصق لبلكونة بحْرية واسعة فرصة لها لترى الشمس طوال ساعات النهار، تضرب أشعة الشمس في تفاصيل وجهي فتضيف له بريقا مُرضيًا، فلا أفكر في تغيير وضع التسريحة طبعا.

لكن سطوع الشمس بشكل زائد مثلما يحدث أثرًا جماليا محببًا يفضح أيضًا عيوب الوجه. 

بعد أحداث شارع محمد محمود (نوفمبر 2011) التي شهدتها بنفسي في الميدان، رأيت لأول مرة في مرآتي الصغيرة بعض الشعرات برأسي وقد ابيضَّت، في تلك اللحظة رأيتني مرآة لما يحدث على أرض الثورة من تغيير وعجز.

لم أعد نفس الشخص أبدا بعد “محمد محمود”، كبرت على المرآة، توقفت عن استخدمها، بل تركت منزل الأهل بالقاهرة لتجربة سكندرية أكثر اتساعا من الطفولة، وأقل استهلاكا وعِشرة مع المرايا.

مرآة ثالثة

“والله هي بُقها وعينيها وبتبص لي كمان وسامعاني”..

أمِّي وهي تنظر إلى القمر من شُرفتنا في الدور الثامن. 

 

لم تكن فقط مقتنعة بأن القمر مرآة لأمواتنا، بل كان لدى أّمّي يقين بأن البدر يعكس صورة وجه أمِّها، وكثيرا ما كانت تسألني “شايفاها؟”، فأجيب “يعني!”، لأنني لم أعاشر جدتي، كما أنني لا أحب القمر أصلا، أصاب بالكآبة أيام اكتماله. 

في مشوار بصحبة صديقتي المقربة وأمها، مدَّت الأم يدها من شباك السيارة إلى البدر المُضيء ليلتها، وأخذَت منه شيئًا بقبضتها ووضعته على وجهي وهي تتمتم تعويذة ما في سرها. 

عرفتُ أنها عادة تؤمن بها كلما رأتِ القمر مكتملًا، فتظن أن صورنا انعكاسات من القمر تضيء وجوهنا خلال الحياة ونتركها على صفحته بعد الرحيل.

ظلت نظرية أمي وأم صديقتي في إطار الأسطورة في نظري، حتى قرأتُ كتاب “فلسفة المرآة” لأستاذ الفلسفة المصري محمود رجب (دار المعارف المصرية 1994)، والذي تحدث فيه طويلًا عن القمر في فصل “المرايا الطبيعية”.

يقول.. “إذا كان القمر قد اعتُبر مرآة، لأنه سطح يعكس شيئًا آخر، فما هو هذا الشيء الذي يعكسه؟”، مضيفًا أن البعض قد ذهب إلى أن القمر إنما يتتبع الأشياء على الأرض ويعكس صورها، فنرى فيه، خاصة حين يكون بدرًا كامل الاستدارة، الجبال والأنهار والبحار، بل إنه يعكس الوجه الإنساني. 

هذا أيضا ما أشار إليه المؤرخ اليوناني بلوتارك في كتابه “الوجه الذي نراه في استدارة القمر”، وما أشارت إليه أيضا رسوم لوجوه قمرية في بعض المخطوطات العربية والفارسية القديمة.

هل تتغير نظرتي إلى القمر إذا أطلّ منه يومًا وجه أمي، أم ستبقى “وجوه القمر” تلك مجرد نظرية إذا لم تلمس روحي؟ 

هل أستطيع يوما أن أسير في شارع “محمد محمود” دون أن أرى وجهي منعكسا في المرآة، التي كوّنها تجمع الدماء على الأرض، مثلما تأقلمت مع تضاعف الشعرات البيضاء في رأسي، بل وأحببتها؟ 

ربما سأظل أمارس التصوير/التحدث مع المرايا كلما صادفت شكلًا جديدًا لها، ربما وجدت إجابة يومًا ما على تساؤلاتي التي لا تنتهي.