مدينة الآخرين

في لبنان تجد العاملة الأجنبية نفسها محبوسة في منازل الآخرين، بلا أوراقها الثبوتية، تعمل لساعات طويلة بلا حق ترك العمل ولا حتى إمكانية الإتصال بالعالم الخارجي
ــــــــ العمل
روسير كورِيّا
8 أكتوبر 2021

بينما كنت أعمل على مشروع فيلمي Machine Man عام 2011، في بنغلاديش، لفت انتباهي العدد الكبير من النساء البنغاليات اللواتي كنّ يتحضرن للذهاب إلى الشرق الأوسط للعمل، كما بدأت بالتعرف على نساء عائدات من العمل هناك، وفاجئني ما سمعت حول تجاربهن.. فأغلبهن لم تملكن معلومات حول شروط العمل والإقامة لأن مكاتب التوظيف تروج لفكرة أن الشغل سيكون مقابل أجور سخية خلال فترة النهار فقط وأنهن سيستطعن الدراسة بعد الظهر.. لكنّ العاملة تجد نفسها محبوسة في منازل الآخرين، بلا أوراقها الثبوتية، تعمل لساعات طويلة بلا حق ترك العمل أو حتى الإتصال بالعالم الخارجي. 

كان أول ما فكرتُ فيه، هو اللحاق ببعض الفتيات البنغاليات اللواتي يعتزمن السفر إلى لبنان، لكن ذلك كان صعباً لأنهن اختفين هناك، وكان من المستحيل العثور عليهن.. قررتُ حينها البحث في بيروت عن عاملات أخريات للاقتراب من قصصهن ومعايشة يومياتهن، لتكبر الفكرة فيما بعد، وبدا أن هناك إمكانية لفتح مساحة للحوار بين كل الجهات (العاملات، العائلات، المؤسسات، مكاتب التشغيل، المجتمع المدني) مما قد يجعل التناقضات بين كل هؤلاء تطفو على السطح.. عِشت سنة في بيروت وترددت عليها على مدى 3 سنوات.

كانت صدمة كبيرة حين اكتشفت “نظام الكفالة” الذي يجعل وجود العاملات و مصيرهن في البلاد تابع بشكل مطلق لأرباب العمل، ويجيز مصادرة جوازات سفرهن ومنعهن من مغادرة البلاد قبل انتهاء مدة العقد، كما يصنع المناخ الملائم للتغطية على جرائم من نوع منع العاملات من الاتصال مع أحد، والتحكم بوجبات الطعام ومواعيد النوم، والتحرش الجنسي.. وكل ذلك تحت غطاء قانوني تدافع عنه وتعززه المؤسسات الرسمية اللبنانية وقسم كبير من المجتمع المحلي بطبقاته وطوائفه!

هذا الفيلم القصير جزء مكثف من عمل وثائقي أكبر بعنوان ( غرفة بلا منظر- Room without a view )* حاولت فيه الاقترب من قصص ووجوه بعض العاملات الأجنبيات من بنغلادش وأثيوبيا و نيجيريا والفلبين وغامبيا في بيروت. وأحاول أن أفهم بماذا يفكر اللبنانيون واللبنانيات أمام هذه الظاهرة؟ وكيف ينقسم المجتمع -المنقسم أصلاً- بين مؤيد ومعارض لإلغاء “قانون الكفالة”؟ وما هي السبل التي تملكها العاملات امام هذا الواقع!

كنت في بيروت حين بدأت ثورة تشرين 2019، رأيتُ الناس في الشارع مدفوعين بأمل كبير، وفي عيونهم حلمٌ بغد أفضل، شاهدتُ عاملات أجنبيات يتظاهرن أيضاً للمطالبة بحقوقهن قبل الثورة، محاطات بلبنانيين ولبنانيات كثر، حين بدأت الثورة ساد أمل كبير، وبدا أن كل شيء ممكن!

لكن بعدها.. كان الحجر الصحي مفيدًا جداً للطبقة الحاكمة، التي استطاعت حبس المجتمع وحدّ انتشار الثورة، وأيضًا زاد من نسبة وحجم العنف الممارس على العاملات الأجنبيات في البيوت، لأن العائلات أصبحت تقضي 24 ساعة في المنزل، كما أدت الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي وقع فيها لبنان إلى ازدياد عدد العائلات التي تركت العاملات في شوارع بيروت أو أمام السفارات لعدم قدرتها على تحمل نفقات فرد آخر، أو حتى دفع تذكرة عودته إلى وطنه.

اليوم، وبعد سنتين من الثورة، وسنة من انفجار مرفأ بيروت و أسابيع من تشكيل “الحكومة الجديدة”، أُحس أن المشهد ازداد قتامة وتراجع الأمل في التغيير.. فالحكومة لا تبدو مهتمة إطلاقاً بإدراج هذه المشكلة في أجندتها في مشهد عام لا تبدو “العدالة” إحدى أولوياته.

* قريبًا سيُعرض فيلم غرفة بلا منظر – Room without a view أونلاين على منصات كرامة (مهرجان أفلام حقوق الإنسان) و أيام فلسطين السينمائية