خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

التسارع وإبادة العمران والحرب على الزمن في غزة

إن قراءة غزة عبر فيريليو لا تعني إسقاط نظرية على حالة، بل مواجهة النظرية بواقعٍ كولونيالي يؤكّدها ويتجاوزها في آن، فإبادة العمران في غزة لا تُعدّ ممارسة عسكرية فحسب، بل استراتيجية سياسية – اقتصادية. ينظّم التدمير الفضاء عبر إغلاق أفق التراكم، وضبط السكان، وإدارة المخاطر من خلال الهشاشة
19 يناير 2026

لعل أبرز التحولات التي شكلت الحرب الحديثة وعلومها وامتداداتها المفاهيمية، بعد كتاب كارل فون كلاوزفيتز (1780 – 1831) «عن الحرب»، والذي اقترح فيه أن السياسة ماهي إلا استمرار للحرب بشكلٍ ما أو بآخر، كان انتهاء فكرة «ميدان الحرب» منذ الحرب العالمية الأولى التي تحولت فيها المدينة إلى ميدان الحرب الرئيسي، مرورًا بفكرة الطائرات العمودية، ودورها الأساسي في إجلاء المصابين، في ذروته كانت فيتنام والعراق، وصولًا إلى المسيّرات التي أضافت طبقة أخرى على تفتيت ميدان الحرب، واستهداف الجسد المباشر، بتقنيات كان المساهم الأبرز في تطويرها الولايات المتحدة وإسرائيل.

هذا المسار من التحول أدى إلى زيادة التعقيد في العلاقة بين الحرب والدولة من جهة والحرب والمدينة من جهة أخرى، على أساس مكاني وجسدي. ولكي نفهم هذه العلاقة المركبة بين المكان (من ميدان الحرب إلى المدينة) والجسد (من الجسد الإنساني إلى الجسد العسكري – التنظيمي)، علينا أن ننظر إلى تلك العلاقة من خلال عامل السرعة، أو ما أسماه الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو (1932 – 2018) Dromologie «علم السرعة».

كلما تزايدت السرعة، كلما تقلص الزمان والمكان، وبالتالي تغير مفهوم السفر والهجرة والانتقال، وما يتطلبه كل هذا من بنى تحتية وقوى، تتراوح بين الترميزات منها تأشيرات السفر، وحتى البنى التحتية للحركة، منها خطوط الملاحة والمطارات وغيرها، فلطالما ارتبطت السرعة بالسلطة، فالأسرع هو الأكثر سلطة.

وبين الدرومولوجيا: علم السرعة، والدروموقراطية: سلطة السرعة، وصولًا إلى المظهر الأكثر سلطوية من خلال السرعة، وهو الاستيطان السائل Habitable Circulation للزمان (الأسرع في الوقت) والمكان (الأسرع في احتواء المكان)، يظهر التصور الجديد للدولة ووظيفتها، بما هي مركز لإدارة الحركة والسرعة. وهذه المفاهيم متضامنة قد شكلت ظاهرة الحرب – الدولة – المدينة، بما هي التجلي الأساسي للعلاقة المجالية للسلطة والسرعة والثروة والجسد والمكان.

لفهم هذه العلاقة، يمكننا الإشارة إلى المجال الترابي Territory باعتباره النطاق الأساسي الذي يتمثّل فيه السياسي ويتجسدن. فمن يمتلك المكان يمتلك حقوقه، وبالتالي فالسرعة بما هي ممارسة مكانية، هي أداة لامتلاك الحقوق، وبالتالي فلا سرعة من دون أفضلية سياسية. فامتلاك المكان لدى الغرب، تعزز بالسرعة وتقنياتها، فأصبح امتلاكًا للبر ومن ثم للبحر وبعده الجو. 

يذكر فيريليو في كتابه السرعة والسياسية، أن اختراع أسطول الردع مكّن البريطانيين من السيطرة على البحار وجعلهم أقوى سلطة على العالم في القرن التاسع عشر، كما مكَّن اختراع الأسلحة البالستية الأمريكان والروس من السيطرة على الفضاء.

غزة مختبرًا للسرعة

لا تتعرّض غزة للتدمير والإبادة فحسب، بل تخضع لإعادة تشكيل جذرية للزمن ذاته. فإبادة العمران في غزة تعمل عبر التسارع التالي: ضغط الفاصل الزمني بين التحذير والضربة، طيّ المسافة في لحظة فورية، وتحويل المدينة إلى سطح قابل للقراءة والمحو في الزمن الحقيقي المتسارع والمضغوط. تحاجج هذه المداخلة بأن غزة تمثّل موقعًا أقصى تُصبح فيه السرعة نفسها تكنولوجيا حكم وسلطة واستيطان سائل، حيث يغدو الصراع على الفضاء الحضري غير منفصل عن الصراع على الزمن.

توفّر نظرية بول فيريليو في الدرومولوجيا مدخلًا مفاهيميًا حاسمًا لهذا التحليل. فبحسب فيريليو، لم تعد السلطة الحديثة ترتكز أساسًا على السيطرة على الإقليم بوصفه شرطًا مكانيًا ثابتًا، كما أخبرتنا نظريات العلاقات الدولية والعلوم السياسية، بل على القدرة على تنظيم السرعة، والحركة، والاستباق فيه. تُمارَس السيادة هنا عبر الفعل الأسرع من قدرة الخصم على التشكّل أو المقاومة، بما يجعل الاعتراض ذاته متقادمًا (حتى) قبل أن يبدأ. وفي ظل هذه الشروط، تكفّ الحرب عن كونها محصورة في ميدان قتال، لتُعاد صياغة المدينة نفسها بوصفها المجال العملياتي الأساسي.

تُجسّد غزة هذا الشرط الدروموقراطي في أكثر صوره عنفًا. فمن خلال المراقبة الجوية المستمرة، والاستهداف الخوارزمي، والضربات الفورية، يُختزل النسيج الحضري إلى بيئة قابلة للبرمجة وإعادة البرمجة، حيث يسبق التدميرُ الحضورَ الإنساني. ينهار الزمن إلى حالة مستمرة من الطارئ، تُغلق إمكان الإيقاع المدني، والاستمرارية، والتعافي، حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار. ولا تعود إبادة العمران مجرد محو مكاني، بل تصبح قطيعة منهجية وممأسسة في الزمن الحضري نفسه.

غير أنّ غزة ليست مجرد موضوع لسلطة درومولوجية؛ بل تكشف أيضًا عن حدود الدرومولوجيا في سياقها الكولونيالي. فالمواجهة بين القبة الحديدية وشبكات الأنفاق تُظهر صراعًا بين منطقين زمانيين– مكانيين متعارضين. تجسّد القبة منطق السرعة العمودية، والمرئية، والاستباق؛ فيما تُنتج الأنفاق منطق العتمة، والتأجيل، والاستمرارية تحت– الأرضية. وبدل أن تمثّل هروبًا من الإقليم، تعيد الأنفاق نقش الأرض بوصفها وسيط نجاة، مُنتِجةً مجالًا مضادًا يقاوم الهيمنة الجوية ومحو الزمن.

ولتعميق هذا الإطار الفيريليوي، تدمج مقاربتنا هنا مستويين نظريين متكاملين، الأول للمنظر الماركسي الجغرافي ديفيد هارفي  (1935)، والثاني لعالم الاجتماع الألماني هارتموند روزا (1965). يوضّح ديفيد هارفي كيف يُعاد تشكيل العمران بوصفه حقلًا سياسيًا–اقتصاديًا، حيث لا يعمل العنف كضرر جانبي بل كاستراتيجية مكانية. أمّا هارتموند روزا، فيُقدّم أدوات لفهم اللامزامنة الزمنية بوصفها شكلًا من أشكال العنف: إذ تختبر غزة تسارع القتل من جهة، وتجميد الحياة من جهة أخرى، ما يُنتج تفككًا زمانيًا جذريًا يمحو كل امكان مديني حضري.

تظهر غزة، على هذا الأساس، لا كحالة هامشية، بل كموقع منهجي. فهي تكشف التسارع لا بوصفه شرطًا محايدًا للحداثة، بل كأداة كولونيالية تُسرّع الموت وتُعطّل الحياة.

السرعة، الحرب والمدينة

لم تعد الحرب الحديثة منظَّمة حول ميدان قتال بوصفه حيّزًا مكانيًا منفصلًا، بل باتت منظَّمة حول المدينة بوصفها موضوعًا زمانيًا. يحدّد بول فيريليو هذا التحوّل بوصفه سمةً تأسيسية للسلطة في الحداثة المتأخرة: فالحرب تُعاد صياغتها كمسألة سرعة لا تموضع، واستباق لا مواجهة، وفورية لا امتداد، وهو الأمر الذي درجت عليه كل الحروب الإسرائيلية، ماعدا هذه الحرب الأخيرة.  لا يكمن التحوّل الحاسم هنا في التكنولوجيا وحدها، بل في مستوى إبستمولوجي أعمق؛ إذ يتوقّف حكم الفضاء عن الارتكاز إلى العمق الإقليمي، ويغدو وظيفة للسرعة، والمراقبة، والقدرة على الوصول والإفناء الفوريين.

يُمسك مفهوم الدرومولوجيا بهذا التحوّل في بنيته الأساسية. فالسرعة ليست صفة من صفات الحرب، بل هي منطقها البنيوي الحداثي. تصبح القدرة على الضرب أسرع من قدرة الخصم على التوجّه أو الردّ أو حتى الظهور، السرعة هي الآلية المركزية للهيمنة. وكما يحاجج فيريليو، لم تعد الدولة الحديثة تحكم عبر الإمساك بالإقليم، بل عبر طيّ المسافة وتعطيل الحركة من خلال التسارع. في هذا السياق، تهاجر الحرب من أطراف المدينة إلى قلبها، ويتحوّل الفضاء الحضري إلى حقل عملياتي متواصل. ولا ينفصل هذا التحوّل عن ما يسمّيه فيريليو لوجستيات الإدراك. ففي كتابه الحرب والسينما (1989)، يُظهر كيف تعيد تقنيات الرؤية—الرادار، والتصوير الجوي، والصورة الآنية—تشكيل الحرب بوصفها مسألة رؤية أولًا، وضرب أولًا بنفس القدر، ومحو قبل اللقاء. لم تعد المدينة تُختبَر بوصفها بيئة معيشة، بل كمعطى بصري، يُجزَّأ إلى أهداف ومسارات، ويغدو الفضاء الحضري مقروءًا بقدر ما يكون قابلًا للتدمير، وهو ما أكدته العديد من التقارير الحربية الإسرائيلية.

في ظل هذه الشروط، ينهار التمييز بين الفضاء المدني والفضاء العسكري. يتحوّل النسيج الحضري ذاته إلى وسيط تعمل عبره السرعة: الشوارع، والمباني، والبنى التحتية، والأجساد، تُعاد هندستها وفق متطلبات التدخّل الفوري. وما يُدمَّر هنا ليس الشكل المادي فحسب، بل المدة الزمنية للحياة الحضرية نفسها. تُخضع إيقاعات المدينة—السكن، والعمل، والحركة، والذاكرة—لحالة دائمة من الاستباق الإبادي.

تكشف غزة هذه المنظومة بوضوحٍ استثنائي. فالمراقبة الجوية المستمرة، وتقييم التهديدات خوارزميًا، والاستهداف الفوري، تحوّل المدينة إلى سطح تحكمه اللحظة الآنية السريعة التي لا يمكن الإمساك بها، لا يعود التدمير نتيجة للأحداث، بل يسبقها. يطوي العنف الاستباقي المستقبل داخل الحاضر، مُلغِيًا الفاصل الزمني الذي يمكن أن تتشكّل فيه الحياة المدنية. وهنا، لا تعود إبادة العمران نتيجة ثانوية للحرب، بل استراتيجية زمانية: قطع الاستمرارية عبر السرعة.

ومع ذلك، لا ينتج تحضّر الحرب تسارعًا متجانسًا. فما يبدو سلطةً فورية من الأعلى، يُنتج في الأسفل لا-حركةً مفروضة. تغدو غزة فضاءً مُسَرَّعًا ومجمَّدًا في آن: القتل سريع، والحياة بطيئة ومُعطَّلة. تكشف هذه اللاتماثلية مفارقة الدرومولوجيا في الحرب الاستعمارية الكولونيالية—إذ تحتكر السيادة السرعة، بينما يُخضع المستعمَر للسكون القسري.

بهذا المعنى، تتحوّل المدينة الخاضعة للاستعمار الكولونيالي إلى حدٍّ زماني. لا تُقيَّد الحركة مكانيًا فحسب، بل يُعاد تنظيمها وترتيبها زمنيًا: من يتحرّك بسرعة، ومن يُؤخَّر، ومن يُجمَّد. تعمل الحرب هنا لا عبر القصف والمراقبة فقط، بل عبر إدارة الزمن ذاته. وتُظهر الحالة الحضرية في غزة تحوّلًا أوسع في طبيعة الحرب المعاصرة: لم تعد المدينة ضحية للحرب، بل بنيتها التحتية الأساسية.

إبادة العمران بوصفها تسريعًا للزمن

لا يمكن فهم إبادة العمران في غزة بوصفها تدميرًا للمباني أو للبنية التحتية أو حتى البيئة المبنية فحسب؛ بل هي، في جوهرها، تدمير للزمن الحضري. فالمدن ليست ترتيبات مكانية فقط، بل هي تراكمات وترتيبات وتعاقبات للأزمنة المختلفة: إيقاعات يومية، وروتينات معيشة، وذاكرة، وتوقّعات مستقبلية، أزمنة دولانية و/أو سلطوية و/أو اجتماعية، ومحمولات هذا كله من الأمل والسعادة والخيبة والحب وغيره. 

وعندما يُعاد هدم الفضاء الحضري بصورة متكرّرة، لا يُمحى المادّي وحده، بل تُمحى قدرة المدينة على الحفاظ على الاستمرارية والعلاقة التراكبية بين هذه الأزمنة كلها ومحمولاتها، والتمسك بها. بهذا المعنى، تعمل إبادة العمران كتدخّل زماني يقطع الصلة بين الماضي والحاضر، والحاضر والحاضر، ويغلق أفق المستقبل. ضمن إطار درومولوجي (من السرعة)، تظهر إبادة العمران كشكلٍ مُسرَّع من العنف. لم يعد التدمير حدثًا استثنائيًا أو ردّ فعل ظرفيًا، بل أصبح استباقيًا وتراكميًا. تُدمَّر المباني لا بسبب ما فعلته، بل بسبب ما قد تصبح عليه، ما بين الزمن والمعنى. ينسجم هذا المنطق مع تحليل فيريليو للحرب الاستباقية، حيث يطوي التسارع الفاصل الزمني بين الإدراك والإبادة، لتغدو المدّة نفسها عبئًا يجب التخلص منه. وعليه، لا تعود إبادة العمران أثرًا جانبيًا للحرب، بل تقنيتها الزمنية والمكانية الأساسية.

تُجسّد غزة هذا الشرط عبر الاستهداف المنهجي للبنية التحتية المدنية: الكتل السكنية، والمستشفيات، والجامعات، والأرشيفات البلدية، والطرق، وشبكات الطاقة، والمدارس والجامعات، هذه الأهداف ليست عرضية عسكريًا. إذ باتت العقيدة العسكرية المعاصرة تنظر إلى العمران بوصفه وسيطًا فاعلًا للصراع، ينبغي تفكيكه لتعطيل إعادة الإنتاج الاجتماعي والإمكان السياسي. ويؤدي تدمير النسيج الرابط للمدينة إلى قطع الحركة والذاكرة والتعلّم والرعاية ونقل الخبرة المدينية بين الناس.

يُكثّف التسارع هذا المسار، فالدورات المتكرّرة من التدمير وإعادة الإعمار الجزئية تمنع الحياة الحضرية من الاستقرار في مدّة قابلة للترسّخ والأرضنة، تصبح كل عملية إعادة بناء مؤقتة، معلّقة تحت توقع عنف تفكيكي سريع ومتجدّد، منذ بداية الحصار ومرورًا بحروب إسرائيلية مختلفة على القطاع. ويتجزّأ الزمن إلى آفاق قصيرة للبقاء بدل مسارات ممتدّة للحياة. تُدفَع المدينة إلى حاضر دائم، مجرَّد من العمق الزمني اللازم للتشكّل السياسي أو المدني. 

يصف ستيفن غراهام هذا الوضع بوصفه سمةً من سمات العسكرة الحضرية المعاصرة: المدن الواقعة تحت الحصار تُعاد صياغتها كفضاءات طوارئ دائمة، حيث تُدمَّر البنية التحتية بصورة متكرّرة للحفاظ على الهشاشة والتبعية. وفي غزة، يتضاعف هذا المنطق بفعل الحصار والإغلاق. فلا تعمل إبادة العمران عبر الهدم فقط، بل عبر منع الإعمار بصورة منهجية، بما يمدّ التدمير عبر الزمن لا عبر المكان وحده. ويكشف البعد الزمني لإبادة العمران عن طابعها الاستعماري الكولونيالي، فالتسارع هنا غير متماثل: تعمل القدرة على التدمير بأقصى سرعة، فيما تُبطَّأ أو تُعرقَل أو تُمنَع القدرة على إعادة الإعمار، والحِداد، والتنظيم، والعودة (الأمر ذاته في حالة مدن وبلدات فلسطينية أخرى منها جنين والخليل والقدس وبلدات النقب). ينتج عن ذلك زمن تفاضلي تتحكّم فيه السلطة الكولونيالية بإيقاع الحياة والموت، بينما يُحبَس المستعمَرون في زمنٍ معلّق، انتظار بلا أفق. 

في ظل هذه الشروط، تصبح المدينة موقعًا تُسَلَّح فيه المدّة الزمنية ذاتها. لا تعود إبادة العمران نهايةً للعنف، بل وسيطه المستمر: قطيعة متواصلة تحرم المدينة من إمكانية أن تصبح مكانًا زمانيًا/ تاريخيًا. تكشف الحالة الحضرية في غزة، بذلك، سمةً مركزية من سمات الحرب الكولونيالية المعاصرة—استخدام التسارع لمحو المكان، ولمحو زمن الوجود الحضري نفسه.

رأس المال، الثبات، والسرعة

لا يمكن فصل إبادة العمران في غزة عن الاقتصاد السياسي لرأس المال واستراتيجياته المكانية. يوضّح تحليل ديفيد هارفي للتمدّن الرأسمالي أن البيئة المبنية تعمل بوصفها رأس مالًا ثابتًا—استثمارًا ماديًا تُمتصّ عبره القيمة الفائضة، وتُثبَّت مؤقتًا، ثم تُدمَّر دوريًا في لحظات الأزمات. فالمدن ليست حاويات محايدة للحياة الاجتماعية، بل أدوات فاعلة في دوران رأس المال. ومن ثمّ، لا يظهر العنف الموجّه ضد المدينة كاستثناء، بل كآلية متكرّرة ضمن إدارة الأزمات الرأسمالية، ولنا في القاهرة وعمان وبيروت نماذج بارزة.

يصف مفهوم التثبيت المكاني Spatial Fix لدى هارفي كيف يحلّ رأس المال أزماته عبر الاستثمار في بنى طويلة الأمد—الإسكان، وشبكات النقل، وإعادة التطوير الحضري—بما يرسّخ القيمة في المكان مؤقتًا. غير أن هذا التثبيت بطبيعته هشّ؛ إذ تتحوّل الرساميل الثابتة، مع الزمن، إلى عوائق أمام تراكم جديد، فتتولّد ضغوط لإزالة قيمتها، أو التخلي عنها، أو تدميرها. وتأتي الحرب لتسرّع هذا المسار، إذ تُسيِّل رأس المال الثابت بعنف، لا تمهيدًا لإعادة استثمار فورية، بل لإعادة ضبط السيطرة على شروط التراكم والدوران، وبالتالي فإن العلاقة بين مشاريع إعادة الإعمار في غزة، هي علاقة تديم حالة الحرب واستعاداتها السريعة بعد كل حرب إسرائيلية على غزة(١).

تقدّم غزة نسخةً مشوَّهة لكنها كاشفة من هذا المنطق. فهنا لا يُمهِّد التدمير لإعادة استثمارٍ مربحة، بل يُنتج نزعَ قيمةٍ دائمًا. تُدمَّر الكتل السكنية، والطرق، وأنظمة الطاقة، والمؤسسات العامة بصورة متكرّرة، من دون أفق لتثبيت رأسمالي لاحق. وما يتشكّل بدلًا من ذلك هو نظام تبعية مفروضة، تُحرَم فيه المدينة من القدرة على تثبيت القيمة، أو البنية التحتية، أو الحياة نفسها. بهذا المعنى، لا تظهر إبادة العمران كفشلٍ تنموي، بل كتعليقٍ متعمَّد لشروط إمكان التنمية.

يمكن قراءة مشاريع «إعادة إعمار غزة» المطروحة—ومنها مشروع ترامب—بوصفها شكلًا خاصًا ومشوَّهًا من «التثبيت المكاني» بالمعنى الذي طوّره ديفيد هارفي. فهي لا تسعى إلى تثبيت فائض رأس المال في الفضاء بهدف إنتاج دورة جديدة من التراكم والاستقرار، كما في النموذج الرأسمالي الكلاسيكي، بل تعمل على إدارة الخراب ذاته عبر ضخّ استثمارات عمرانية في فضاء محروم بنيويًا من شروط الديمومة والسيادة.

في هذا السياق، لا يُفهَم التثبيت المكاني بوصفه حلًا مؤقتًا لأزمة فائض رأس المال، بل كآلية لضبط فضاء مُدمَّر عبر إعادة إنتاج هشاشته. فإعادة الإعمار لا تُنهي حالة الطوارئ، بل تُؤطّرها؛ ولا تؤسس لمدّة حضرية قابلة للتراكم، بل تُعيد المدينة إلى حالة «الجاهزية للتدمير» في أي لحظة. بذلك، لا تأتي الحرب بوصفها انقطاعًا لمسار الإعمار، بل بوصفها شرطه البنيوي. إن التدمير المتكرر لا يفشل التثبيت المكاني، بل يُعيد تفعيله، عبر خلق حاجة دائمة لمشاريع إعادة إعمار جديدة، قصيرة الأفق، ومفصولة عن أي مشروع سيادي أو عمراني طويل الأمد.

تُنتج هذه البنية علاقة جدلية مغلقة بين الحرب والإعمار، حيث لا يعمل أحدهما على إنهاء الآخر، بل على إعادة إنتاجه. فكل جولة تدمير تُعيد فتح المجال أمام خطاب إعادة الإعمار، وكل مشروع إعمار يُفترض ضمنيًا كحلّ مؤقت قبل جولة تدمير لاحقة. هنا، تتحول إبادة العمران من حدث استثنائي إلى تقنية حكم، ويغدو التخطيط الحضري تخطيطًا لـ «حرب منتظرة»، على نحوٍ يذكّر بتحليل هبة بو عكر لمدينة بيروت بوصفها فضاءً يُعاد تنظيمه عمرانيًا على أساس توقّع العنف القادم لا تجاوزه.

في هذا الإطار، لا يُنتج التثبيت المكاني في غزة قيمة قابلة للتراكم، بل يُنتج تبعية مكانية وزمنية. فالمدينة تُحرَم من تثبيت البنية التحتية، ومن استقرار رأس المال، ومن إمكان تحويل الإعمار إلى عملية اجتماعية–سياسية لإعادة إنتاج الحياة. بدلًا من ذلك، تُدار غزة كفضاء مؤقّت دائم، حيث يُعاد بناء ما سيُدمَّر، ويُعاد إسكان ما سيُفرَّغ، وتُعاد البنية التحتية بوصفها بنية قابلة للإزالة السريعة.

تفرض غزة، بهذا المعنى، إعادة نظر في مفهوم التثبيت المكاني ذاته. فهي تكشف حدوده القصوى في السياق الكولونيالي، حيث لا يعمل التثبيت بوصفه وسيلة لتجاوز الأزمة، بل بوصفه أداة لإدامتها. إن ما نشهده هنا ليس «فشلًا» للتثبيت المكاني، بل نجاحه الكولونيالي: نجاح في منع الاستقرار، وتعطيل التراكم، وإبقاء المدينة داخل زمن معلّق بين التدمير والإعمار، بلا أفق تاريخي.

يتقاطع هذا الاختلال الزمني مع ما يسمّيه هارفي التنمية الجغرافية اللامتكافئة Uneven Geographical Development— ليس بوصفها تفاوتًا بين أماكن، بل كإنتاجٍ فعلي للاختلاف المكاني عبر السلطة السياسية والاقتصادية. تُوضَع غزة في موقع لا يُسمَح فيه لرأس المال بأن يثبّت نفسه، حيث تُجعل البنية التحتية مؤقتة على الدوام، ويُمنَع العمران من اكتساب الديمومة، إلا ضمن شروط آلة الحرب. والنتيجة مدينة عالقة في حالة خراب مستمر، لا لغياب رأس المال، بل لأن حركته تُدار خارجيًا.

من هذا المنظور، لا تُعدّ إبادة العمران في غزة ممارسة عسكرية فحسب، بل استراتيجية سياسية–اقتصادية. ينظّم التدمير الفضاء عبر إغلاق أفق التراكم، وضبط السكان، وإدارة المخاطر من خلال الهشاشة المفروضة. ويضمن التسارع وصول الخراب قبل أي استقرار ممكن. تُدفَع المدينة نحو الانهيار، وتُحرَم من العمق الزمني الضروري للتعافي، أو الاستثمار، أو إعادة الإنتاج الجماعي. يُكمل إطار هارفي الدرومولوجيا الفيريليوية عبر كشف التقاء السرعة ورأس المال. فالتسارع لا يسهّل العنف فحسب، بل ينظّم الشروط التي تُمكّن تدمير الفضاء الحضري مرارًا دون حلّ. وتكشف الحالة الغزّية هذا التلاقي بوضوحٍ فادح: مدينة تُخضع لخراب كثيف وسريع، لا بوصفه حالة حرب، بل بوصفه ناتجًا منظّمًا للسلطة السياسية–الاقتصادية.

التسارع، اللامزامنة وتثبيت الحياة

لا يعمل التسارع بصورة متجانسة عبر الفضاء الاجتماعي. تُصرّ نظرية هارتموند روزا في التسارع الاجتماعي Social Acceleration على أن الحداثة لا تتميّز بالسرعة وحدها، بل بالتوزيع غير المتكافئ للسلطة الزمنية بين الأنظمة الاجتماعية المختلفة والسكان. فالتسارع التكنولوجي، وتسارع التغيّر الاجتماعي، وتسارع إيقاع الحياة لا تتقدّم بتناغم، بل تُنتج لامزامنة Desynchronization تُجبَر فيها بعض المناطق على الحركة المفرطة، فيما تُدفَع مناطق أخرى إلى الانتظار، والتعليق، والتجمّد. وهذا التركيب ليس عرضًيا، بل هو سياسيٌ في جوهره.

يرى روزا أن فقدان الأنظمة السياسية والاجتماعية قدرتها على مواءمة آفاقها الزمنية يحوّل الحُكم إلى نمط تفاعليّ قائم على الأزمات، قصير الأمد، ومفتقر إلى التخطيط. تُتّخذ القرارات تحت ضغط الاستعجال لا التداول، وتُستبدَل المدّة الديمقراطية بحالة طوارئ دائمة. وتُجسّد غزة هذا الشرط في أقصى صوره، حيث لا تعود الطوارئ حالة استثنائية، بل بنية شاملة للحياة.

في غزة، لا يظهر التسارع بوصفه ديناميكية اجتماعية، بل عنف زماني. فسرعة المراقبة، والاستهداف، والتدمير لا تتناسب مطلقًا مع إيقاع الحياة المدينية، وبالذات أن العلاقة المدينية للغزيِّ والغزية مع مدينتهم وقطاعهم، هي علاقة انبنت بالأساس على الطارئ وهو الحصار والحرب، حيث القتل فوريّ، فيما البقاء بطيء. الإخلاء، والنزوح، والإصابة، والحداد، والعودة، كلّها عمليات تجري تحت شروط تأخير وإعاقة ممنهجة. ويُنتج هذا انفصالًا زمانيًا عميقًا بين زمن العنف السيادي وزمن الوجود اليومي (Rosa 2013). تُنتج هذه القطيعة الزمنية ما يمكن تسميته تجمّد الحياة. ففي الوقت الذي تعمل فيه آلة الحرب بأقصى سرعة، يُعلَّق زمن المدنيين. لا تستقرّ الروتينات الحضرية، ولا يمكن تخطيط المستقبل، وتظلّ إعادة الإعمار مؤقتة على الدوام. تُعاش الحياة في شظايا، لا تُقاس بمسارات أو مشاريع، بل بانقطاعات متتالية. وهنا تتجلّى أطروحة روزا القائلة إن التسارع قد يُفضي، على نحوٍ مفارق، إلى الشلل: فكلّما تسارع العنف، ازدادت الحياة جمودًا.

وعلى خلاف السرديات الليبرالية التي تربط التسارع بالتقدّم أو الابتكار، تكشف غزة التسارع بوصفه آلية للهيمنة. فالسرعة لا توسّع الإمكان، بل تُغلقه. ويعمل البطء المفروض على المدنيين—الانتظار للمساعدات، والتصاريح، ووقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار واستمرارية الحصار والتصاريح—كأداة ضبط تُكمّل سرعة التدمير. وتغدو اللامزامنة، بهذا المعنى، تقنية حكم، تتقاطع بعمق مع أنماط الإدارة الكولونيالية التي تُجبر المستعمَرين على الانتظار فيما تمارس السلطة فعلها بلا إبطاء.

يؤكّد روزا أن المعاناة الاجتماعية في ظلّ التسارع تنشأ عندما تفقد الجماعات قدرتها على التجاوب Resonance (وهذه هي ترجمتنا المقترحة لمفهوم روزا Resonance) أي العلاقة المتجاوبة والفاعلة مع العالم.  وفي غزة، لا يظهر هذا الفقدان كاغتراب مجرّد، بل كشرط مادي تُنتجه منظومات الحصار، والقصف، وإبادة العمران. فعندما يُسلَّح الزمن ذاته، يغدوا التجاوب مستحيلًا بنيويًا: تتوقّف المدينة عن الاستجابة لسكّانها، ويُحرَم السكّان من الاستقرار الزمني الضروري للتفاعل مع العالم. من خلال إطار روزا، تظهر غزة بوصفها فضاءً منزوع المزامنة جذريًا: تدمير متسارع من الأعلى، وحياة مجمَّدة في الأسفل. لا ترافق هذه البنية الزمنية إبادةَ العمران فحسب، بل تُغذّيها. فمن خلال احتكار السرعة وفرض التأخير، تُعاد هيكلة الزمن كهرمية، بما يضمن بقاء المدينة معلّقة بين الطوارئ والخراب، عاجزة عن استعادة الزمن.

السرعة المضادة ورفض الزمن المفروض من أعلى

إذا كانت الدرومولوجيا تُسمّي المنطق الذي تحكم من خلاله السلطة عبر السرعة، فإن غزة تكشف أيضًا عن تشكّل ممارسات درومولوجية مضادّة—أشكال من التنظيم المكاني والزماني ترفض المرئية، والفورية، والتسارع. لا تُقابل هذه الممارسات السرعةَ بالبطء فحسب، بل تعيد ترتيب الشروط التي يصبح ضمنها التحرّك، والإدراك، والبقاء ممكنًا. ويشكّل النفق التعبير الأكثر تكثيفًا عن هذه السرعة المضادّة، بوصفه سياسة زمانية تحت–أرضية تقطع مع الهيمنة العمودية.

يركّز تحليل فيريليو للحرب الحديثة على المحور العمودي: القوّة الجوية، والرؤية من الأعلى، والوصول الفوري، وطيّ المسافة عبر الفضاء الجوي. هنا، لا تنفصل السرعة عن أن تكون مرئيًا حاضرًا طيلة الوقت؛ فالرؤية الأسبق تعني الضربة الأسبق. تقلب شبكات الأنفاق في غزة هذه العلاقة رأسًا على عقب، عبر سحب الحركة من نظام الرؤية نفسه. فالفضاء التحت–أرضي لا يُسرّع المواجهة، بل يؤجّلها، ويُربكها، ويمدّد زمنها، وبدل طيّ الزمن، يُعيد النفق إدخال المدّة إلى حقل تحكمه الآنية الخاصة به.

يحمل هذا الانقلاب دلالات سياسية عميقة. فالنفق لا ينفي الإقليم والمجال Territory، ولا هو ينزعه بمنطق الثنائية المقابلة Deterritorialization ، بل يعيد كتابته. وفي مواجهة اختزال الأرض إلى سطح قابل للقراءة بالأقمار الصناعية والخوارزميات، يعيد الفضاء تحت–أالرضي تثبيت الأرض بوصفها سُمكًا وعمقًا وملاذًا.  تتوقّف الأرض عن كونها هدفًا فحسب، لتغدو أرشيفًا لممارسات البقاء المتراكمة عبر الزمن، في الجغرافيا. ليست السرعة المضادّة هنا شكلًا من السلبية، بل رفضًا استراتيجيًا للنظام الزمني المفروض من الأعلى.

وبحسب روزا، يُنتج النفق استجابة بديلة لحالة اللامزامنة. ففي مقابل تفتيت الحياة إلى شظايا طوارئ بفعل التسارع، تتيح الحركة التحت–أرضية إيقاعًا مختلفًا—إيقاعًا يُقدّم الاستمرارية continuity على الفورية. وهو ما يقدم حدًّا أدنى من التماسك الزمني يسمح للحياة وشبكة الأزمنة بالاستمرار في ظل شروط صُمِّمت لإلغاء الزمن.

يوضّح الاقتصاد السياسي لدى هارفي هذا الرفض على نحوٍ إضافي. فإذا كانت السلطة الرأسمالية– الكولونيالية تعتمد على جعل الفضاء شفافًا للتداول والتدمير، فإن البنى التحت–أرضية تعمل كأشكال مضادّة للتداول. فهي تُعيق التدفق السلس للمراقبة، ورأس المال، والقوّة، وتُدخل احتكاكًا داخل نظام مُسرَّع أصلًا.  هكذا تعمل السرعة المضادّة كتقنية مكانية تُعطّل الكفاءة الزمنية للهيمنة.

والأهم أن السرعة المضادّة لا تنحصر في الأنفاق وحدها. فهي تتجلّى أيضًا في العودة المؤجّلة، والمسارات المرتجلة، وإعادة البناء البطيئة، والإصرار على الحركة والعودة إلى مناطق أعلنت مغلقة ومدمرة، لكشف هشاشة اللغة في هندستها للمكان الاجتماعي. لا تهزم هذه الممارسات التسارع، لكنها تُطيل أمده. ومن خلال رفض المزامنة مع إيقاع العنف السيادي، تسحب من السلطة إطارها الزمني المفضّل.

بهذا المعنى، لا تسعى السرعة المضادّة في غزة إلى استعادة المستقبل عبر التخطيط أو الإسقاط، بل إلى استعادة الحاضر عبر جعله قابلًا للاستمرار، ضمن شروط الحرب والإبادة. ففي مواجهة نظام يحكم عبر محو الفواصل الزمنية، تحفظ السرعة المضادّة تلك الفواصل. ويُحدِّد النفق، بوصفه شكلًا زمانيًا، حدّ الدرومولوجيا: فضاءً تفقد فيه السرعة سيادتها، وتغدو النجاة فعلًا من أفعال المقاومة الزمنية. تكشف غزة، بذلك، مفارقةً في قلب الحرب الحديثة: كلما اعتمدت السلطة على التسارع، ازدادت هشاشتها أمام أشكال حياةٍ تستمر خارج نظامها الزمني.

إن قراءة غزة عبر فيريليو لا تعني إسقاط نظرية على حالة، بل مواجهة النظرية بواقعٍ كولونيالي يؤكّدها ويتجاوزها في آن. فغزة لا تُجسِّد الدرومولوجيا فحسب، بل تجبرنا على إعادة التفكير فيها. هنا، لا ينفصل التسارع عن الحكم الاستيطاني، ولا تظهر السرعة المضادّة بديلًا حداثيًا، بل كشرطٍ للبقاء.

وفي مواجهة وهم السيطرة الفورية، تُصرّ غزة على استمرارية الزمن وليس فقط وحدة الجغرافيا والمجال. وبذلك، تكشف أن الصراع على المدينة هو، في جوهره، صراع على الزمنيات الخاصة بها: على إمكان أن تستمر الحياة، وأن تتذكّر، وأن تواصل وجودها تحت شروطٍ صُمِّمت لإلغاء الزمن ذاته. تقف غزة، في النهاية، لا كمدينة خارج الزمن، بل كمدينة ضدّ السرعة.

 (١) من الكتب الهامة التي تناولت هذا الموضوع، كتاب الباحثة العمرانية والأكاديمية اللبنانية هبة بو عكر عن بيروت، وعنوانه “لحرب منتظرة: تخطيط حدود بيروت”.