حين تضلّ النحل طريقها إلى القفير، تستخدم عادة خريطةً ذهنية دقيقة تقودها مجدّدًا إلى مسكنها. ترتبط هذه الخريطة بإشعارات ونقاط تحدّدها النحل وفقًا لتضاريس الأرض المحيطة بالمنحل، مثل البقع المائية والهضاب والتلال الطبيعيّة. والأهمّ أن تكون الشمس مشعّة كي تساعدها على الوصول.
ربّما ستجد النحل علامات الطريق، لكنّها قد لا تجد المنحل. ستصل إليه في النهاية، غير أنّها ستجد بقاياه.. فالقفير لاقى مصير البيت الذي احتواه. أتخيّل أنّ هذا ما حدث في قرية عند حدود جنوب لبنان، التي استهدفت الطائرات الإسرائيلية فيها منزلًا كان سكّانه يربّون النحل في حديقتهم. فقد السكّان جزءًا من منزلهم بعدما بدأ ضجيج القصف الإسرائيلي في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، واستمرّ حتى إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024.
لم يتوقّف القصف كليًا بعد ذلك. خلال فترة «وقف إطلاق النار» التي فصلت بين حرب 2024، والحرب الحالية (بدأت في 2 آذار/مارس)، واصل العدوان الإسرائيلي ضرباته على قرى الجنوب، ونفّذ أكثر من 13 ألف غارة جوية وقصفًا مدفعيًا على قرى ومدن لبنانية. وبخلاف قرى الجنوب الأخرى التي عاد إليها أبناؤها بعد انتهاء الحرب عام 2024، أفُرغت القرى الأمامية من سكانها.
فبحسب تحليلات صور الأقمار الصناعية، تضرّر أو دُمّر ما يقارب ربع المباني في عدد من البلديات الحدودية مثل عيترون وحولا ويارون ورامية وبليدا والعديسة ومركبا. ومع استمرار الاستهداف وصعوبة إعادة البناء، بقيت قرى كثيرة حدودية شبه خالية من سكانها الذين لم يضطّر معظمهم إلى تجديد هجرتهم والبحث عن منازل جديدة مع توسّع الحرب الإسرائيلية على لبنان بداية الشهر الحالي.
كيف تتوه النحل عن القفير؟ في حالات أخرى، ستفقد الأرض ملامحها ربّما، ومعها تمّحي العلامات التي تقود تحليقها نحو المنحل. بين الحربين، شنّت الطائرات عدوانًا على الأرض، باستخدام ذخائر شديدة التدمير، بينها الفوسفور الأبيض والذخائر العنقودية والقنابل الحارقة في بساتين الزيتون والحقول والغابات وتلوّث التربة بالمعادن الثقيلة. بدّل هذا من معالم بعض الأراضي، التي طالتها حرائق واسعة.. اختفت بعض الأشجار، أو تغيّرت ملامحها التي كانت ربّما علامات تقود النحل في طريقها. إثر اندلاع الحرائق فيها، تصبح الأشجار سوداء ومبتورة. يبقى جذعها معلّقًا بالأرض، لكنها تفقد امتدادها المرتفع، كأن يد عملاقة نتفت الأغصان والجذوع. وإن لم تصبها الحرائق، فبالطبع قد تعرّضت إلى مبيدات عشبية من نوع «غليفوسات» من تلك التي رشّتها الطائرات فوق الأراضي الزراعية في الجنوب، وهي مادّة من شأنها القضاء على الغطاء النباتي وإلحاق أضرارًا مباشرة بالإنتاج الزراعي والتربة والتوازن البيئي.
حين تفقد النحل علامات الطريق، تصاب بفوضى كبيرة قد تؤدّي إلى الموت، لكنّها ستظلّ تبحث عن قفير ربما لتلقي فيه عسلها. لكنّ ذلك لا يحدث إلّا بعدما تلاقي النحل قبولًا أو موافقة من سكّان القفير نفسه، إن وُجد أساسًا. فقد خسر الجنوب بين تشرين الأول 2023 وكانون الأول 2024، ما يقارب 5000 خلية نحل من بين حوالي 417 ألف خلية تنتشر في لبنان، وتنتج سنويًا 1500 طن من العسل تقريبًا.
ألا تزال النحل تحوم فوق المنحل؟ أم فوق البيت؟ هل أضاعها مجدّدًا الضجيج الذي عاد إلى السماء مع تجدّد القصف الإسرائيلي على لبنان في آذار (مارس) 2026 بعد فترة من الهدوء الهشّ أساسًا؟ هل نسيت الطريق تمامًا؟ أم أنّها اعتادت خلاء البيوت؟ حين لم أجد إجابة، رسمتها تحوم حول ركام المنحل والبيت الذي لم يستطع أهله الرجوع إليه منذ عامين.















