fbpx

تحت المراقبة

ترى هل ما أفعله نبيل؟ هل أختلف عن كاميرات المراقبة بشيء؟ هل أنا مصوّر أم أنني تحولت أيضاً إلى جهاز يراقب؟
ثائر الناصر
9 أغسطس 2021

أشعر بمسؤولية كبيرة وأنا أعرض صورة، أحمل ذنباً متعلقاً بتصويري، أدرك تماماً معنى اختراق الخصوصية، ولا أدري إن كان تصويري للناس والأماكن بهذه الطريقة هو أفضل بكثير مما تفعله أي كاميرا مراقبة مثبتة على إحدى عمارات دمشق، أم أنني وكاميرا المراقبة لا نختلف عن بعضنا في شيء؟

رغبتي في توثيق الواقع دون أي رتوش، وصعوبة استخدام الكاميرا دون تصريح، يوقعاني يومياً في نفس المصيدة، أن تتحول كاميرتي إلى سلاح خفي، أخرجه من حقيبتي لثوانٍ والتقط صورة سريّة ثم أخفيه من جديد.. ألجأ إلى الحيلة كي أسرق بعض اللحظات دون التعرض لمشاكل.. 

أعود إلى المنزل وفي شريحة كاميرتي عشرات الصور، أستعرض وجوه الناس الذين صورتهم خلسة وأسال نفسي: ترى هل ما أفعله نبيل؟ هل أختلف عن كاميرات المراقبة بشيء؟ هل أنا مصوّر أم أنني تحولت أيضاً إلى جهاز يراقب؟

في ساحة الأمويين يوجد أكثر من خمسين كاميرا مراقبة أحصيتها بنفسي وأنا أتجول خلال دقائق وأنظر إلى مباني مؤسسات الدولة الموزعة هناك؛ الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، هيئة الأركان العسكرية، دار الأسد للثقافة والفنون ومكتبة الأسد الوطنية..

أقطع طريقي من ساحة الأمويين عائداً نحو حيّ أبو رمانة باتجاه حديقة الجاحظ، أعد العيون الموجهة نحوي من عناصر الجيش والأمن المتواجدين على الحاجز بجانب مكتبة الأسد، ألا تكفي نظراتهم المتشككة للسيطرة على الأمن؟

أتفاجأ وأنا أمشي بالكاميرات المنثورة في كل مكان أمام المتاجر الخالية من الناس، المطاعم الخالية من الناس، الأكشاك الموجودة في كل رصيف، والتي ملكية أغلبها يعود إلى عناصر من المخابرات، والذين بدورهم يراقبون الحي..ألا يكفي كل هؤلاء المراقبون؟

أتسكع فيما تبقى من دمشق، أرى ظلال مختبئة في كل زاوية.. أظن أن فعل المراقبة يعود إلى الغريزة، الرغبة في البقاء على قيد الحياة، ولكن هل تخطى فعل المراقبة الغريزة، هل تحول إلى إدمان؟ ما حاجة هذا العدد الهائل من الكاميرات التي لا تعمل في بلد تنقطع فيه الكهرباء معظم ساعات اليوم؟ وعندما تأتي الكهرباء ما الحاجة إلى المواد المسجّلة؟ ماذا نكسب من تسجيل آلاف الساعات من الداتا لأشخاص يمارسون حياتهم الطبيعية؟ أهي هنا لأغراض أمنية، لمراقبة الجرائم، مجرد “شكل” لزرع الخوف لا أكثر؟ ربما هي هنا لأسباب لا أعرف عنها شيء كوني لا أعرف حقاً ما يجري هنا.. مغيّب عن الحقيقة وخائف.. هل أتفادى كل الكاميرات، أم أنها معطلة فحسب؟

أمشي في شارع الحمرا، أعداد مهولة من البشر، يتشابهون في التجاعيد المرسومة على وجوههم، كباراً كانوا أم صغاراً. تبدو المدينة مخنوقة بالحرّ والغبار، في كل زاوية عدد لا يحصى من الكاميرات، عدد لا يحصى من العيون التي تراقب كل شيء، اه.. هنا صورة الرئيس، صفعة تعيدني إلى الواقع، هنا عيونه.. أنت عالق إذن..

أصل إلى جسر الرئيس، أستخدم الدرج المؤدي إلى الأسفل، تستقبلني دورية أمن متواجدة دوماً مع عدد من العناصر جاهزين لتفتيش أي شخص وإيقافه متى ما يحلو لهم، أتجاوزهم وكأني سحابة من غبار، أعبر باتجاه المتحف الوطني، أقف طويلاً أمام كاميرا موجهة نحو ثلاث شجرات أمام المتحف، هل هي لمنع قبلات الحب في المساء أم أن هناك سرّ ما في ثمار الشجر يستدعي المراقبة؟

أكمل طريقي باتجاه ساحة المرجة، أتمشى داخل سوق الكهرباء، تستوقفني إعلانات عن كاميرات المراقبة، تأتي بصيغة الأمر “احمي بيتك وأمن أسرتك”.. هل فعلاً نحن بحاجة لكاميرات للحماية؟ هل ستحميني الكاميرات داخل منزلي من “خطأ فردي”؟

أدخل لأشتري بعض الماء، أجد فوق رأس المحاسب كاميرتان، واحدة موجهة نحو الصندوق وواحدة نحو المنضدة. عندما علمت أن المتجر هو عمل عائلي وأن المحاسب هو ابن صاحب المتجر الذي يجلس أيضاً أمام المتجر، سألت نفسي: هل فقد ذلك الأب ثقته بالعالم إلى درجة أنه قرر التشكيك بأخلاقيات ابنه التي زرعها هو فيه؟

أعود إلى المنزل متعباً، أجلس أمام نافذتي أراقب العالم من أصغر منفذٍ وجد، أبرّر خوفي وضعفي وعجزي كخطوة احترازية، أحلم بأن يبح صوتي من الصراخ أمام الشر، أن أنهش لحمه بأظافري، أن أحدق طويلاً في كل عيونه، أن أنزع كل جذوره وكابلاته، أحلم أن يفهم الفرق، عندما يستخدم هو كاميراته وعندما أستخدم أنا كاميرتي.