fbpx

على الحدود الأوكرانية الجزائرية

وجدت في وجوه اللاجئين حسرة المغادرة والضيق الذي نتجَ عنها، هذا الشعور الذي لم يتركني منذ عشر سنوات، هي عمر تجربتي في الغربة أيضًا
ــــــــ المـكـان
ديهية طالب
25 مايو 2022

خلال الأيام الأولى من حرب أوكرانيا، هزّتني معرفة وجود طلاب جزائريين يحاولون قطع الحدود البولندية بعد اندلاع الحرب، شاهدت فيديو لأحدهم على حساب أحد معارفي في فيسبوك.

لم أذهب من قبل إلى بولندا أو أوكرانيا، ولا معرفة لي بهذه المنطقة من العالم. لكني تحمّست للذهاب بعدما علمت أن صديقًا مصورًا كان ذاهبًا في أواخر فبراير (شباط). في صباح نفس اليوم، خرجت لشراء هارد ديسك إضافي وحضّرت نفسي للسفر.

فكرة لقاء أشخاص هاربين من الحرب، ومن بينهم جزائريين، وجدت صدى قويًا في ذهني كمهاجرة تعيش في فرنسا منذ سنوات. فكّرت أني سأذهب للقائهم، ورغم أني سبق وصورت مع عرب وأفارقة في باريس.. إلا أني لم أكن جاهزةً لمواجهة نزوح مماثل.

وصلنا في أوائل مارس (آذار)، إلى محطة قطارات بشيمشل، مدينة صغيرة على بُعد بضعة كيلومترات من المركز الحدودي الرئيسي ميديكا بين أوكرانيا وبولندا

ليلتها التقيت يوسف وأصحابه، طلبة مغاربة كانوا متجهين نحو ألمانيا. حدثوني عن مصاعب الرحلة وركوب القطار. تعرّضوا للتصنيف والعنصرية، لم يُسمح لهم بالركوب قبل الأوكرانيين و”البيض”.

ظلّ السؤال يدور داخل رأسي ‘أين هم الجزائريين تاعي؟” بما أني لم ألتقِ أحدًا منهم. أردت أن أكون هناك لاستقبالهم، ربما كما تمنّيت أن يستقبلني أحدهم في ذلك النهار الخريفي البارد في مطار أورلي، جنوبي باريس، أول ما وصلت فرنسا.

بعد أيام، وعندما فهمت أني لن ألتقي جزائريين، وبعد أن زاد عدد النساء والأولاد بين الواصلين الجدد، قررتُ أني لن أركّز فقط على الموضوع الذي أتى بي إلى هنا.. 

كنت أتحرّك يوميًا بين محطة ميديكا والمركز التجاري تيسكو الذي حوّلوه إلى مخيّم تنطلق منه الباصات نحو كل أوروبا، وبين مليني وهو مخيّم آخر بالقرب من مركز حدودي اسمه كورشوفا.

تخلّيت عن الفكرة التي جئت في أثرها، وأخذت وقتي في لقاء كل الواصلين من أوكرانيا رغم عائق اللغة، ومع كل لقاء فهمتُ أن هذا ما أردتُ سرده بالصورة منذ البداية، الثقل النفسي  لتجربة الحرب والغربة لكل هؤلاء الأشخاص المجبرين على المغادرة. وجدت في وجوه اللاجئين حسرة المغادرة والضيق الذي نتجَ عنها، هذا الشعور الذي لم يتركني منذ عشر سنوات، هي عمر تجربتي في الغربة أيضًا.

دفعني وجودي في تلك البلدة الحدودية الصغيرة لمواجهة مرآة هشاشتي الداخلية، تمامًا كما كان أولئك الناس الذين أتحرك بينهم وكما سيكون أي شخص يُجبر على مغادرة أرضه الأم، أو البلد الذي اختاره لبناء مستقبله. كنت مواجهة نزوح النساء والأطفال والعجائز والأجانب –غير الأوكرانيين- كما صنّفتهم الصحافة، كما لو أنهم لم يهربوا من نفس القنابل.

كانت النساء تُعانينَ بعد أن تركن أزواجهن، وعائلاتهن. كنّ يواجهن مع الأولاد مستقبلاً غير أكيد.

كنت أترصّد تعابير الوجوه ولغة الأجساد حتى أقع على حركةٍ ما مُعبّرة. شعرت بالذنب أكثر من مرة لالتقاط صور في مثل هذا السياق، وسألت نفسي ألف سؤال حول أخلاقية تصوير محنة الأشخاص الذين فروا من الحرب.. لكني فكرتُ أيضًا في سؤال آلاف الشباب الذين يموتون في البحر الأبيض المتوسط أو من ينتظرون في مخيّمات باليونان وتُحرق خيامهم ويهاجمون، هم أيضًا هربوا لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية.. هم أيضًا وقود مدافع حربٍ نفسية لا يهتم لها العالم.. لماذا أصوّر في أوكرانيا ولا أصوّر هناك؟

بقيت هناك لمدة شهر. لم يكن هناك أماكن للمبيت، فكل الفنادق والمساكن حُجِزت للشرطة والجيش البولندي والمنظمات غير الحكومية والمتطوعين، وفي كل الأحوال لم يكن لدي مالٌ لدفع إقامة شهر كامل. وكان عليّ أن أجد حلولاً كل يوم.

ذهبتُ للنوم في دير كنيسة وفي بيت سيدة بولندية فتحت بيتها للاجئين والمتطوعين، كما وجدتُ مكانًا في إقامة جامعية لبنات أوكرانيات في بشيمشل، وكانت هذه فرصةً مهمة لأني التقيتُ بماريا التي وصلت من كييف، وصورتها لاحقًا وهي تُغادر بالقطار.. وقضيت الليل في غرفة فندق صغيرة أجّرها مصوّرون آخرون. وكنت أتحرّك مشيًا أو بإيقاف العربات المارّة، كان هذا صعبًا وشكّل ضغطًا إضافيًا على فظاعة ما شاهدته كل يوم. في بعض الأحيان كنت أشعر بالقرف والتعب وعدم الفهم.

قبل أيام، توصّلتُ بناديا، أخت ماريا، أخبرتني أن هذه الأخيرة وصلت دبلن عند صديقة لها، ربما ستجد عملاً كنادلة وتحاول مساعدة أهلها وإخوتها الصغار الذين لم يتمكنوا من المغادرة. سألتها عن أخيها الذي كان مجنّدًا في جبهة قتال، فقالت إنهم فقدوا الاتصال به منذ ثلاثة أيام.

شعرتُ في أوقاتٍ أني أصوّر نفس الصور كل يوم، وفكّرتُ في العودة إلى فرنسا أكثر من مرّة، ولم تكن الباصات تنقصُ، بل بالعكس فقد كان المتطوعون يبحثون كل يوم بلا أمل عن أشخاص ليركبوا الباصات والسيارات المتوجهة نحو فرنسا لمن يريد الاستقرار هناك. ما كان يدفعني للبقاء هو شيءٌ يشبه الإدمان، الاستيقاظ كل صباح والتوجه نحو محطة القطار ومراقبة الواصلين والراحلين من وإلى أوكرانيا.. كنتُ عالقةً وسط حركة كل هؤلاء الناس.

الشهران اللذان انقضيا على إنجاز هذه القصة المصوّرة عن الهاربين من الحرب الروسية الأوكرانية، على الحدود البولندية، سمحا لي بفهم أن هذه الحركة التي قُمت بها في الزمان والمكان يقابلها استكشاف لجغرافيتي الداخلية كامرأة وكمصورة جزائرية مقيمة بفرنسا تقطع نصف القارة كي تبحث عن “جزائرييها” بين الهاربين من أهوال الحرب، لتنتهي بالاقتراب من الجميع وتصويرهم.