fbpx
المصدر: anmede. تحت رخصة المشاع الإبداعي

الخرطوم.. لاشيء هنا على مايرام

الناس في الخرطوم يعيشون في انتظار.. بانتظار أن يفتح الميناء، أن تعود الكهرباء والأدوية والخبز والسكّر، أن ينفضّ الاعتصام.. وأن تختفي عصابة "تسعة طويلة"
سارة تاج السر
21 أكتوبر 2021

خفف زوجي سرعة السيارة استعدادًا للتوقف، كنت قد اشتريت هاتفًا جديدًا للتو بمئة ألف جنيه (230 دولار تقريبًا)، وبينما أنا أرسل بعض رسائل الواتساب، امتدت ذراع من شباك السيارة واختطفت الهاتف مني في لمح البصر وانطلقت دراجة السارق النارية لتختفي بالسرعة نفسها في الطريق.

هذه ليست بالقصة الغريبة اليوم في الخرطوم، لكنها تظل استثنائية حين تجربها بنفسك، تملّكني الفزع وظلت يدي معلقة في حالة صدمة، أراد زوجي ملاحقة الدراجة لكني أثنيته عن ذلك، فمنذ أشهر تنتشر الأخبار المخيفة لعصابتي “9 طويلة” و”نيجرز” المسلحين بالسواطير والأسلحة البيضاء؛ فليذهب الموبايل إلى الجحيم.

الخرطوم ليست على ما يرام. تحولات دراماتيكية حدثت للمدينة منذ انتفاضة ديسمبر/كانون الأول، أزمات سياسية واقتصادية وأمنية تحاصرها، توتر بين ساساتها وعسكرها. صراعات قد تدفع ثمنها رضيعة مصابة بالسرطان إثر نفاذ مخزون الأدوية بعد إغلاق موانئ شرق السودان. نحن لا نتحدث عن مسكنات وعقاقير السعال، بل عن أدوية يعدّ انقطاعها مسألة حياة أو موت.

كان الحالمون بعد الثورة يتخيلون إعادة عاصمة اللاءات الثلاث إلى عهدها القديم، منبرًا للرأي وملتقى للثقافة عندما كانت الخرطوم تقرأ ما تكتبه القاهرة وتطبعه بيروت، ويهيأ لي أن كثيرًا من أولئك الحالمين اليوم يقفون في صفوف طويلة أمام المخابز، يستسلمون لانقطاع الكهرباء صباحًا ومساءً، ينظرون إلى المدينة التي تتكاثر بها الجماعات الإرهابية، ويتابعون أخبار المواجهات الدامية بينها وبين الأمن وتساقط الضحايا.

الخرطوم.. لاشيء هنا على مايرام
  • Facebook
  • Twitter

المصدر فيسبوك

على بعد 675 كيلومتراً شرق الخرطوم تقع مدينة بورتسودان، التي أغلق الزعيم القبلي محمد الأمين ترك ميناءها البحري منذ ثلاثة أسابيع، حيث تطالب مجموعة “ترك” بإلغاء الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية الحالية في البلاد وحل الحكومة المركزية، وإلغاء “مسار الشرق” الذي نصت عليه اتفاقية سلام وقعتها الحكومة مع مجموعة معارضة لمجموعة “ترك” في عاصمة جنوب السودان جوبا، بحجة أن المجموعة التي وقعت الاتفاق لا تمثل الإقليم.

ميناء بورتسودان هو المنفذ الحيوي الوحيد للبلاد، وعلى إثر هذا الإغلاق نعيش في الخرطوم اليوم بيومه في ظل شح السلع الغذائية والأدوية، رغيف الخبز الذي كان يساوي عشرين جنيهًا نحصل عليه اليوم بصعوبة وبخمسين جنيهًا.

نحن متوهمون إذن، سعر الخبز لم يرتفع وعلينا أن نصدق المسؤول الحكومي ونكذب جيوبنا

يقول مساعد الأمين العام لـ “مخابز سدرة” أحمد خوجلي النور “نحن مضطرون لزيادة الأسعار واستخدام دقيق بجودة أقل، الأسعار ستتعدل في حال حدوث أي انفراج في الأزمة التي تسببت في زيادة أسعار الدقيق المفاجئة وقفل الميناء الرئيسي والطريق البري وتوقف مطاحن الغلال، حيث تعمل المخابز حاليًا بالعبوات الصغيرة التي يصل سعر الكيلو منها سبعمائة جنيه”.

مخابز خارج الخدمة

لا نعرف كم تبقى من مخزون الدقيق في البلاد، ثمة حالة من الإنكار يمثلها مسؤول المخزون الاستراتيجي بوزارة التجارة أسعد مختار، الذي رفض في اتصال هاتفي الإفصاح عن أي أرقام، واعتبر أن تقليص كميات الدقيق الموزعة للمخابز ليس إلا طريقة لكي لا يحدث انقطاع، وأن هناك التزام  بتوزيع حصص الدقيق على المخابز حتى وإن قلت الكمية، وأتبع ذلك بنفي قطعي لزيادة سعر الخبز المدعوم.

نحن متوهمون إذن، سعر الخبز لم يرتفع وعلينا أن نصدق المسؤول الحكومي ونكذب جيوبنا، وأن لا نصدق الأمين العام لشعبة المخابز عبد الرحمن الباقر حين يخبرنا بخروج 90% من مخابز العاصمة عن الخدمة، فقد ارتفع سعر جوال القمح الذي يعدل 50 كليو إلى 35 ألف جنيه، واستهلاك المدينة اليومي يقدر بأربعين ألف جوال. ختم الباقر كلامه معي على الهاتف بالقول: “الأوضاع تمضي نحو الأسوأ”.

يعادل سعر الخبز التجاري خمسة أضعاف المدعوم، رغم ذلك يقبل الناس على شرائه اليوم لرداءة الأخير الذي لا يمكن الاحتفاظ به أكثر من يوم واحد دون أن يتغير طعمه ولونه. أحد أصحاب المخابز فسّر ذلك بارتفاع نسبة الردّة (نخالة القمح) وخلط الدقيق بنوع من الذرة، الأمر الذي انعكس على لون الخبز وطعمه.
وما حدث للخبز ينطبق على السكر أيضًا، حيث يبلغ سعر الكيلو منه 600 جنيه، وهو ارتفاع يعادل أكثر من ضعف سعره قبل إغلاق موانئ شرق السودان.

الخرطوم.. لاشيء هنا على مايرام
  • Facebook
  • Twitter

المصدر Christopher Michel. تحت رخصة المشاع الإبداعي

القصة ليست قصة ميناء 

أوكساليبلاتين دواء أساسي لمرضى السرطان،عقاقير التخدير ، أدوية لمرضى زراعة الكلى، مضادات الحيوية، مستهلكات غسيل الكلى الدموي والبريتوني، الأنسولين، مستهلكات عمليات القلب، إبر الفاليوم، والأمينوجلوبيلين، هذه بعض أسماء العقاقير الطبية بعضها مفقود من صيدليات الخرطوم ومشافيها وبعضها الآخر أوشك الاحتياطي منه على نهايته. 

في الثالث من أكتوبر/تشرين أول كانت الحكومة قد أعلنت أن مخزون الأدوية المنقذة للحياة والمحاليل الوريدية على وشك النفاذ كنتيجة لإغلاق الميناء والطريق القومي، لكنها عادت وكذبت نفسها على إحدى منصاتها الرسمية، إلا أن مصادر صيدلانية اعتبرت أن هناك استهتارًا بالتعامل مع ملف الدواء وأن الازمة الدوائية لا صلة لها بإغلاق الميناء أصلًا. 

الأمر، بحسب معلومات وصلتُ إليها، أن عطاء الإمدادات الطبية للدواء يصل عبر منفذين؛ إما ميناء مطار الخرطوم الجوي أو ميناء بورتسودان البحري، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل ميناء زمن وصول مختلف عن الآخر. وفي العادة يجري حساب الفترة اللازمة لوصول الدواء منذ طلبه وحتى استلامه في مخازن الإمدادات الطبية ليكون جاهزاً للصرف، وهذا يعني أربعة أشهر للأصناف التي تصل بالمطار وسبعة للأدوية التي تصل بميناء بورتسودان. 

هناك أيضًا قاعدة ثابتة، تقتضي بأنه عند وصول الدواء داخل المخازن لمرحلة مخزون الأمان يُطلب بشكل طارئ عن طريق الشحن الجوي لتغطية الانقطاع. بمعنى طالما أن ثمة أصناف غير متوفرة فإن طلبها ممكن عن طريق المطار، وهذا ما لم يحدث في هذه الأزمة. 

القصة ليست في إغلاق الميناء، بل في أن هناك 249 فاتورة دواء تتنظر السداد من بنك السودان بما قيمته 58.5 مليون يورو، وأن ديون الإمدادات وحاجتها الآنية تصل إلى 79مليون يورو.

صباح السابع عشر من أكتوبر

وصل الاحتقان السياسي إلى ذروته بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. فبعد أن نفّذ المحاولة ضباط من سلاح المدرعات، جنوبي العاصمة السودانية الخرطوم، في 21 سبتمبر/أيلول الماضي، أطلق المجلس السيادي سهام الاتهام للمدنيين وحملوهم مسؤولية تدهور الأوضاع في البلاد.

وبحلول الثالث من أكتوبر/تشرين أول الجاري ظهرت بوادر الانقسام في الائتلاف الحاكم، وأعلن عشرون كيانًا سياسيًا وحزبيًا وحركة مسلحة عن ميثاق جديد لتوسيع الحاضنة السياسية للثورة، وسط اتهام لمن أسموهم “مجموعة الأربعة” (الأحزاب التي تمثل الجانب المدني في الحكومة الانتقالية وهي حزب المؤتمر السوداني، حزب البعث العربي الاشتراكي،  التجمع الاتحادي، حزب الأمة القومي) بالانفراد بالسلطة وإقصاء باقي الكيانات المدنية.

وفي صباح السابع عشر من أكتوبر الجاري، أغلق الجيش شارع الجامعة مع تقاطع شارع المك نمر، حوّل حركة المواصلات الى شارع عطبرة وشوارع فرعية أخرى وسط حراسة أمنية مشددة لجميع بوابات القصر الرئاسي من النواحي الغربية والشمالية والجنوبية. نُصبت عشرات الخيام البيضاء على محيط القصر إعدادًا لاعتصام مفتوح تتمثل مطالبه بحل الحكومة الحالية وتفويض الجيش.

الخرطوم.. لاشيء هنا على مايرام
  • Facebook
  • Twitter

المصدر فيسبوك

شرعت الشاحنات في نقل الأطعمة والفواكه والمياه المعدنية بكميات كبيرة، وبدأ توافد المئات إلى أرض الاعتصام، ثمة مركبات تقوم بنقل أشخاص من داخل مدن العاصمة إلى ساحة القصر، سألتُ أحدهم عنها، قال بأنها مؤجرة خصيصًا لهذا الأمر، وأن هناك جهة ما تقوم بتنظيم كل ذلك في أرض الاعتصام، حيث تعالت الهتافات المناوئة للحرية والتغيير (منصة التأسيس). 

قبلة الجائعين

لا يحاول الوجه القبائلي للاعتصام أن يخفي نفسه، بل إنه يفصح عن وجوده بقوة ويكاد أن يكون المكون الوحيد للمعتصمين الذين يعرّفون عن أنفسهم بالقبيلة الفلانية التي تتبع للمنطقة كذا. يصلون بطريقة كرنفالية يركبون الـ “بكاسي” وعربات النقل الكبيرة المحملة بالإبل والبقر والخراف. هناك استفهامات حول تمويل اعتصام القصر هذا، لكنه اعتصام يطالب بـ تفويض الجيش أولًا وأخيرًا، لا سيما وأن موعد تسليم القيادة من المجلس السيادي للمدنيين بات وشيكًا، فموعده نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. 

هنا نتناول اللحوم الطيبة التي انقطعت عن موائد السودانيين لأسعارها الباهظة.. أمس ذبحوا 52 خروفًا وثلاثة من الإبل..

ضمّ الاعتصام مختلف الأعمار بما فيهم طلاب الخلاوي (المدارس القرآنية)، برغم السخرية التي قابل بها الشارع السوداني اعتصام القصر، ووصفه لمناصريه بالانقلابيين.

إلا أن تنظيمًا لا تخطئه العين ساد الساحة خاصة في ما يتعلق بالطعام ومياه الشرب والنظافة التي تولًت مهمتها إحدى الشركات الخاصة، في وقت يقضي فيه المشرفون على المطبخ ساعات طويلة لطهي ما لذّ وطاب من المحشي واللحوم والأرز والخضروات، وتوزيع الفواكه والتحلية وقوارير المياه المعدنية على المعتصمين.

الخرطوم.. لاشيء هنا على مايرام
  • Facebook
  • Twitter

المصدر فيسبوك

قابلتُ “أدورب”- هكذا يلقبونه وهو سائق بالاجرة في مركبة نقل عام بالعاصمة الخرطوم- قال لي “تعودنا على المجيء هنا منذ أربعة أيام. هنا نتناول اللحوم الطيبة التي انقطعت عن موائد السودانيين لأسعارها الباهظة”، وأضاف وابتسامة تعلو وجهه “أمس ذبحوا 52 خروفًا وثلاثة من الإبل”.

ولم ينس “أدورب” أن يذكر لي زخم البهجة في أرض الاعتصام، حيث العديد من الفرق التراثية الشعبية والأناشيد الوطنية التي تنطلق من السماعات الضخمة، قائلاً إن زيارة الاعتصام صارت برنامجًا يوميًا له وموعدًَا يضربه مع أصدقائه قبل أن يردف “الأكل بالمجان وأرض الاعتصام أصبحت قبلة للجائعين”.

في الانتظار

تركت “أدروب” يذهب إلى موعده، ومشيت وأنا أفكر في صغيرتي التي لم تتجاوز الستة أشهر، وفي الجولات التي عليّ القيام بها على الصيدليات للبحث عن حليب “ليبتوميل بلاس”، والذي يتفاوت سعره من صيدلية إلى أخرى من 3500 إلى 3800 جنيه. عليك أن تتردد على صيدلية تسمع من هنا وهناك أن لديها مخزونًا من الحليب، وأن تتفاوض معها للحصول على عرض وتتحول إلى زبون، خاصة أن العلبة الواحدة تكفي أسبوعًا فقط.

أفكر أيضًا في حمل بعض الفواكه للبيت، فأمر على السوق لأجد حبة التفاح بـ 300 جنيه، أتوجه إلى سلة الموز، فهذه هي الفاكهة الأرخص في الخرطوم، كيلو الموز يعادل حبة واحدة من التفاح، تعمّ فوضى الأسعار في كل مكان، وكل متجر يضع سعرًا على هواه ولكن الأمر المشترك بينها أنها فوق طاقة معظم العائلات السودانية. 

في الخرطوم، الناس يعيشون في انتظار.. بانتظار أن يفتح الميناء، بانتظار أن ينفض الاعتصام، بانتظار أن تعود الكهرباء، بانتظار أن تختفي “نيجرز” و”تسعة طويلة” هذه العصابة التي أطلقت على نفسها اسم لعبة “كوتشينة” يلعبها في الأساس أربعة أشخاص، ومن يختار رقم تسعة هو اللاعب الأكثر خطورة على الآخرين.. كم لاعب اليوم في السودان، وكم واحد منهم يحمل الرقم 9..