fbpx

دمشق 2007..عودة الصورة المطلقة

يصعب أن تدير الإطار بأي اتجاه دون أن ترى الصورة نفسها أو أحد أشكالها، وبالتالي.. لا يمكن تخيّل المكان بلا صورة الرئيس.
علاء حسن
10 يونيو 2021

يتحرك الإنسان السوري في الإطار، يتغير ويتنوّع فيتخذ أشكالاً وأسماء ووضعيات مختلفة. لكنّ صورة أخرى تتكرّر في الإطار نفسه بكلّ رتابة.

قد يتغير قياس الصورة، والنسبة والإضاءة والتباين، تكون واضحة أو تضيع في الخلفية. لكنّ تكرارها يترك انطباعاً بصرياً، يشبه ما يراه المرء بعد أن يضيء عينه الفلاش القاسي، إن أغلقت عينيك بعد تلقيك فلاش في وجهك سترين اللون الأبيض أو ما يسمّى بالانطباع البصري. يتركه الضوء الزائد في العين. يستمرّ الدماغ بإدراك الضوء حتى بعد خموده وإغماض الجفنين.

كذلك تكرار صورة الوجه نفسها في عين المرء يطبع ذلك الوجه في الدماغ. عندما يكون عنصر ما موجوداً دائماً، يصبح جزءاً من هويّة المكان البصرية، ثمّ جزءاً أساسياً من مدارك قاطنيه. لا ندرك وجوده كشيء مستقلّ بس يصبح جزءاً حياديّاً من الصورة وبالتالي جزءاً من إدراكنا للمكان الذي لا نعرف غيره. يصعب أن تدير الإطار بأيّ اتجاه دون ان ترى الصورة نفسها أو أحد أشكالها. وبالتالي، لا يمكن تخيّل المكان بلا صورة الرئيس، فلا يمكن تخيّل المكان بلا الرئيس. ولا يمكن فكّ ارتباط المجموعة بفرد واحد. أي: لا يقوم المجتمع بلا قائده.

هذه الطريقة في الإعلان لا تشبه الدعاية بل الترويض، كجيل مولود في الثمانينيات، كبرنا في مدن وقرى تخلّلتها صور الرئيس، لم يكن قائداً يظهر في فقط في وسائل الإعلام بل أطلّت صورته من النوافذ والواجهات، في الصفوف والدفاتر المدرسية والمؤسّسات الرسمية والأفران والملاعب. وجود صورة القائد في الأماكن العاديّة قد يكون أشدّ تأثيراً من وجوده على التلفزيون أو في مؤسّسات الدولة. فعلى عكس الصورة المنظّمة الدعائيّة، تدخل الصورة اليوميّة في لاوعي الفرد وتتكرّس كجزء ضروريّ من الوطن.

في العام 2000، بعد استلام الأسد الابن لمقاليد الحكم، انسحبت صورة الفرد القائد ليحلّ مكانها شعارا “التحديث والتطوير”، ظهرت بوادر انفتاحٍ نسبيّ سمح بتأسيس بعض المنتديات والمنابر التي عرفت مجتمعة باسم “ربيع دمشق”. لكن السلطة السياسية عادت لتطوّق حرية الرأي. بحلول عام 2003 كانت هذه المنابر قد أغلقت وعوقب أصحابها.

كانت حملة استفتاء عام 2007 إعلاناً لعودة الصورة الواحدة وتغيّر الشعار الدعائي من “التحديث والتطوير” إلى “منحبك”. كانت الحملة إعلاناً واضحاً لنهاية فترة النقاش العام وتضمين آراء متنوعة في إدارة شؤون البلاد. تراجعت السلطة عن الانفتاح المؤقّت وعادت إلى النموذج القديم، ما قبل عام 2000. لقد عادت لغة الإعلان التي أسّسها الأسد الأب لتهيمن على السياسات الحكومية السورية بلا تشويش أو منافسة على الحكم. استرجع النظام هويته البصرية السابقة مرجعاً البلد إلى زمن القائد الواحد.