بلد الانتظارات الطويلة

في الجزائر.. سوف تنتظر في محطة القطار، في الدوائر الرسمية، في مقابلات العمل، تنتظر أن تنتهي أعمال البناء، وتنتظر دورك أيضًا في صالونات الحلاقة
ــــــــ المـكـان
نجلاء بن شيخ
4 أغسطس 2021

“في الجزائر، يأخذ مني كل مشروع خمس سنوات حتى أنتهي منه…” هذا ما قالته لي صديقة عن تجربتها في إنجاز مشاريع أو أهداف حياتية بسيطة قد تأخذ سنة واحدة في بلد آخر. ومع الوقت، بدأت أنا أيضًا أقتنع بهذا.

فكّرتُ أن العمل المُضني في الجزائر لا يأتي بنتيجة دائمًا.. أعرف الكثيرات والكثيرين ممن يجهدون في إنجاز مشروع ما، لكنهم يتأخرون عادة أو لا يصلون إلى أهدافهم. هل لأنهم يقضون أغلب الوقت في الانتظار.. ربما!

كأن البلد واقع في حالة من “الانتظار اللانهائي”، هي حالة دائمة نعيشها لا أعرف السبب بالتحديد ولكن البلد منعزل رغم مساحته الشاسعة والآلة البيروقراطية المركزية فيه ثقيلة وتُعطّل كل شيء.

في الجزائر.. سوف تنتظر في محطة القطار، في الدوائر الرسمية، في مقابلات العمل، تنتظر أن تنتهي أعمال البناء، وتنتظر دورك في صالونات الحلاقة، وقد ينتهي الانتظار بجملة.. المحل سيغلق تعال غدًا وانتظر مرة أخرى.

بدأتُ التقاط هذه الصور منذ خمس سنوات (يا للصدفة.. !) سنة 2017، وانتهيتُ منها في 2020. في البداية كنت أحاول أكتشف نفسي كمُصوِّرة، ومع الوقت وجدتُ أني أريد تصوير حالة الانتظار التي يجدُ الأفراد أنفسهم عالقين فيها بسبب السياق العام وحالة البلد، تلك الحالة الدائمة من عدم اليقين، والتي تؤدي إلى العزلة وإلى شعور مستمر بعدم الانتماء للمكان.

بالنسبة لي كان تواجدي هنا دائمًا مؤقت، هدفي كان الهجرة لمواصلة الدراسة ثم الاستقرار نهائيًا. أحاول منذ سنوات ولكني لم أصل إلى هذا الهدف بعد. لستُ وحيدة في هذا، كثيرون وكثيرات يسعون إلى الهجرة والدراسة في الخارج .. ويدركون أن خططهم وأحلامهم مؤجلة بشكل مستمر لأسباب سياسية، ومالية، وإدارية.

في انتظار تحقّق هدفي هذا لم أحاول بناء علاقات قوية من حولي، ولم أنخرط في أشياء قد تأخذ الكثير من الوقت والطاقة والعواطف ثم أسافر وأتركها ورائي. كأني لم أرِد أن أتوّرط في الجزائر رغم أنني –وبعد كل هذا الوقت- متورّطة فيها بشكل أو بآخر.

وسط كل هذه الأسئلة وجدتُ نفسي أكمل التصوير، صحيح أن موضوع الصور هو محور حياتي.. الانتظار؛ لكني ودون أن أشعر تقدّمت في العمل وصوّرتُ “حالة الانتظار” عند أشخاص عديدين، ربما لا يكون سياق البلد العام هو السبب المباشر لهذا “الانتظارات”.

الانتظار في الجزائر طويل، لا يبدأ من عيون معلقة بشاشة تلفزيون تنتظر صافرة حكم مباراة ربما تمنح فرح مسائية قصيرة، إلى انتظار رد على طلب تأشيرة هجرة، لنتيجة امتحان لغة أجنبية من أجل إضافتها لملف دراسة في الخارج، ولا ينتهي عند صياد مجهول راقبته وهو ينتظر أن تغمز صنارته قبل أن يجمع أشياءه ويُغادر دون سمك.