fbpx

لماذا لا تؤمن الدولة بالذكريات؟

هنا روحي وكل حياتي. أفضّل الموت على هدم المنزل وإجباري على المغادرة. روحي مُعلقة بهذا المنزل وهذه المنطقة. إذا نقلوني.. سأموت
ــــــــ البيتــــــــ المـكـان
17 أغسطس 2023

كل مرة أعبر فيما تبقى من حي بولاق أبو العلا أفكر في هذا السؤال، ليس الأمر رومانسيًا، لكن يتعلق بوجودنا كبشر، كمواطنين، كأفراد أمضوا حيواتهم في مكان ما ومن المفترض أن يكملوا في المكان الذي صنعوا أنفسهم فيه.

أليس “التاريخ” بمعنى من المعان هو سجل ذكريات مجموعة كبيرة من البشر تطلق على نفسها اسم “أمة” أو “شعب”؟ أليس “المتحف” هو محاولة لعرض “ذكريات” تخص حقبة زمنية ما؟ إذن لماذا لا يتم الحفاظ على إمكانية لاستكمال الذكريات التي يصنعها الناس في المناطق التي نشئوا بها مع تطويرها في الوقت ذاته؟

لكن التطوير بالنسبة للدولة يعني المحو، لا توجد صيغة أخرى يمكنها الحفاظ على المكان وعلى الناس الموجودين فيه، التطوير يعني إبعاد المواطنين إلى حي بعيد، وإزالة المنطقة القديمة ووضع شيء آخر مكانها. 

في 2016 قررت الدولة  إزالة جميع المباني والأحياء السكنية القديمة و”العشوائية” في أنحاء البلاد كافة في إطار رؤية “مصر 2030”. بالتأكيد من سيفكر في ضرورة بقاء “العشوائية” إذا ما قوبلت بـ”النظام”، ولكن تلك المناطق العشوائية مأهولة بالسكان منذ عقود دون تدخل السلطات بل بتواطؤها في أوقات كثيرة.

منزل جدتي في القاهرة يقع في حي بولاق أبو العلا المقرر “تطويرها” لكونه جزء من مشروع مثلث ماسبيرو في منطقة وسط القاهرة، الذي تبلغ مساحته الإجمالية حوالي 75 فدان، وتمتد واجهة المشروع على مساحة 900 متر مباشرة على كورنيش النيل في هذه المنطقة. أهم أهداف المشروع رسميًا: “تحويل المنطقة  إلى منطقة سكنية وتجارية وترفيهية وسياحية  والتخلص التام من العشوائيات في هذه المنطقة”.

تعيش جدتي هنا منذ عام 1952، عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها وتزوجت من جدي. طفولتي والعديد من ذكرياتي من هذا المنزل. نشأت والدتي هنا، وكنا نزور جدتي كثيراً عندما كنت طفلاً. الآن، وقد تقرر إزالة المنطقة، لا أريد أن يتعرض كلانا لخسارة أخرى. توفيت والدتي في عام 2020، وفقدان 70 عاماً من ذكريات جدتي في هذه المنطقة يفتح أبواب الحزن من جديد. وكأنه فقدان جزء آخر من ذاتي.

البيوت التي تقرر إزالتها حملت علامة (X)، أمر مفزع أن تستيقظ وتجد فجأة أن بيتك وذكرياتك وتاريخك قد حُكم عليها بالمحو.

قالت لي جدتي: “لقد قضيت كل حياتي في هذا المنزل. شهدت هذه المنطقة كل أفراحي وأحزاني. هذا هو المكان حيث بدأت حياتي، وأنجبت أطفالي، وعشت لحظات سعيدة وأخرى حزينة. ولكن الآن بعد أن رحل أولادي وصار لكل منهم حياته الخاصة، أصبحت وحيدة. لكن لا يزال جيراني حولي، وأعيش في الحي بين الأصوات المألوفة التي تستمر حتى وقت متأخر من الليل. أنا عجوز ومتعبة الآن، بالكاد أستطيع الوقوف ولا أريد مغادرة منزلي. أنا أمتلك هذا المنزل، فبأي منطق أتركه وأدفع إيجاراً لمكان ليس ملكي؟ لا أريد أن أغادر بيتي. هنا روحي وكل حياتي. أفضّل الموت على هدم المنزل وإجباري على المغادرة. روحي مُعلقة بهذا المنزل وهذه المنطقة. إذا نقلوني.. سأموت”.

* تم العمل على هذا المشروع بدعم من برنامج التصوير الفوتوغرافي الوثائقي العربي