fbpx
خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

الحياة تحت ثقل.. «تخفيف الأحمال»

وجدنا أنفسنا مضطرين لأن ننظم حياتنا ونخلق عادات جديدة للتأقلم مع انقطاع الكهرباء خلال أكثر شهور السنة حرارة. ربما تبدو التفاصيل صغيرة لكنها غيرت الطابع اليومي لحياة ملايين المصريين
ــــــــ البيتــــــــ المـكـان
7 سبتمبر 2023

اعتدتُ أن أتعاطف بشدة مع البلاد المنكوبة التي ينقطع فيها التيار الكهربائي بشكل منتظم، لكن الأمر بدا دائمًا بعيدًا، يثير التعاطف وبعض القلق الذي تزيله الفكرة الساذجة، أن هذه المصائب بالتأكيد لن تحدث لنا.. لن تحدث هنا.

تكرر انقطاع الكهرباء في مصر، بداية من يوليو (تموز) الماضي، لفترات طويلة في جميع المحافظات، ومع ازدياد الشكاوى من خراب الكثير من الأجهزة والخسائر الكثيرة المختلفة الناتجة عن انقطاع التيار الكهربائي، ومع انتشار الغضب والنكات الساخرة من انقطاعات الكهرباء حول رأس الساعة، ورحلة المصاعد المحفوفة بالمخاطر، قرر مجلس الوزراء إصدار بيان بمواعيد انقطاع الكهرباء في المناطق المختلفة بمحافظات مصر، ضمن خطة «تخفيف الأحمال» التي لم تفسر الحكومة سببها حتى الآن، بخلاف ما قالته عن «التغيرات المناخية» و«الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة»، فيما نفت كل التحليلات التي تتحدث عن تفضيل مصر تصدير الغاز عوضًا عن استخدامه محليًا، أو نقص الدولار اللازم لشراء المازوت لتوليد الكهرباء.

لم تحدد الحكومة موعدًا أقصى لنهاية خطة تخفيف الأحمال، وأشار بيان الحكومة إلى أن الكهرباء ستنقطع طالما كانت الحرارة فوق الـ 35 درجة، ما يعني على الأرجح استمرار انقطاع الكهرباء في سبتمبر (أيلول).

تضمنت الخطة أيضا «تخفيض» إنارة عواميد الإنارة في الشوارع بنسبة 75%، ما جعل شوارع القاهرة الساهرة تشبه مدينة أشباح بدءًا من التاسعة مساءً، كما منحت موظفي الحكومة ممن لا يتعاملون مع الجمهور يومًا للعمل في المنزل، لتخفيف الأحمال. مع بداية سبتمبر، تراجعت الحكومة عن خطة عمل الموظفين من المنزل يوم الأحد، لكن لا جديد عن انقطاع الكهرباء اليومي. 

متوسط انقطاع الكهرباء يوميًا هو ساعة أو اثنتين. بالطبع تقل في العاصمة المركزية، وتزيد في المحافظات الأكثر تهميشًا. جدول «مجموعات» الحكومة لقطع الكهرباء وضع مواعيدًا لانقطاع الكهرباء في بنايتي مختلفة عن الموعد الذي كانت الكهرباء تنقطع فيه، ومختلفة عن الموعد اليومي الحالي لانقطاع الكهرباء. الجدول لم يحل شئ، لكنه حدد الأمر. أنا وملايين غيري وجدنا أنفسنا مضطرين لأن ننظم حياتنا ونخلق عادات جديدة للتأقلم مع انقطاع الكهرباء خلال شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، أكثر الشهور حرارة في السنة. نحاول هنا التعرف على بعض حكايات التأقلم تلك مع الأزمة، ربما تبدو التفاصيل صغيرة لكنها غيرت الطابع اليومي لحياة الملايين.

شحن وتوتر

مجموعتي في «انقطاع الكهرباء» ليست «مجموعة سهلة»، أي أن الكهرباء تنقطع في ذروة الظهيرة، في الواحدة كل يوم، بعكس مجموعات أخرى تنقطع فيها الكهرباء في المساء. انقطاع الكهرباء في بيتي يعني بالطبع انقطاع الانترنت وأيضًا انقطاع المياه. مع ترقب لكوارث من قبيل احتراق الأجهزة في البيوت مع عودة التيار الكهربائي بقوة أكثر من المعتاد، تعلمت أن أفصل مفتاح كهرباء البيت الرئيسي، ثم أفتحه بعد عودة الكهرباء، في حالة وجودي في البيت، وفي حالة عدم وجودي في البيت يجب أن أفصل كل الأجهزة المحتمل احتراقها، كل هذا بالطبع وسط توتر دائم على «التلاجة» و«التليفزيون» وغيرهما، مع تكرار انقطاع الكهرباء يوميًا. 

في الأزمات، يفكر العقل بشكل عملي، ويكتسب عادات جديدة بالإجبار على التأقلم. هكذا تعودت على الوباء وهكذا أتعود على انقطاع الكهرباء اليومي -لا يزال وقع هذه الجملة غريبًا على أذني- لا يمكنني العودة إلى البيت ما بين الواحدة والثانية ظهرًا، بل في الحقيقة لن أخاطر بركوب المصعد في الواحدة إلا عشر دقائق. لو أنهيت موعدي مبكرًا مثلًا سأنتظر حتى الثانية ظهرًا وإلا سأصعد ثمانية طوابق، وسيكون مستحيلًا لو كنت في هذا الموعد بدراجتي. ولا يمكنني النزول أبدًا في الثانية، لن يكون لدي الوقت للاستعداد. 

يجب أن يكون شحن الكمبيوتر والتليفون كاملًا قبل الواحدة. نسيتُ في مرة وبقيت لساعة منفصلة تمامًا عن العالم. تعلمت أن أعرف أن التيار قد عاد حين أسمع صوت المصعد متحركًا. لكن أخطر شئ حدث، كان حين لم ينقطع التيار الكهربائي في أحد الأيام. ارتبكت بشدة، وتمنيت للكهرباء أن تنقطع، كي يعود نظامي، الذي صنعته بدقة للتكيف، للعمل بفاعلية!

في نفس اللحظة التي شعرت فيها بالقلق، شعرت جارتي وصديقتي المؤلفة والموزعة الموسيقية نانسي منير بالتوتر، تراسلنا في حيرة، لم نكن نعرف ماذا نفعل، ارتبكنا سويًا تجاه الأمر. تقول: «حسيت بعد ما اتعودنا على ساعة معينة كده، اني اتوترت أكتر من لما النور قطع». 

لأن في منطقة سكني بوسط القاهرة الكثير من المؤسسات والمباني الحكومية، لم تنقطع الكهرباء أبدًا عندنا، ففي البداية اعتقدت نانسي مثلما اعتقدت أنا، أن الكهرباء لن تنقطع عنا، لكن بالتوازي مع حرائق في اثنين من هذه المباني، على الأرجح نتيجة ماس كهربائي، خسرنا هذه الميزة. تقول نانسي «أول ما الكهربا قطعت اتخضيت طبعًا، وحسيت إن ده بيحصل في وقت عندي فيه ديدلاينز كتيرة في الشغل، وكنت مضغوطة ومتوترة ومش عارفة هتقطع قد إيه. وابتديت أتأقلم واحدة واحدة».

عمل نانسي هو إبداعي بالأساس، ولتعقيد وصعوبة العملية الإبداعية، يحتاج الفنان للكثير من التركيز والتفكير. «لما الكهربا بتقطع في نص الـ creative process، أو في نص تسجيل حاجة مثلًا، أو بشتغل على حاجة ومستغرقة تمامًا جواها، فلما النور بيتقطع بيبقى صعب شوية. بعد كده حفظت المعاد، وبحاول أبعد توقيت الحاجات اللي محتاجة كهربا عن الوقت ده، وأتمنى يمشوا على الجدول».

حاولت نانسي التأقلم بشحن أجهزتها أيضًا، وتخصيص ساعة انقطاع الكهرباء، لإنجاز العمل الممكن القيام به على اللاب توب، وشعرت أنها ربما «رسالة كونية»، بأن تحصل على راحة لمدة ساعة، في أيام العمل الضاغطة. كان مثيرًا لاهتمامها أيضًا أنها بدأت تنتبه للهدوء المحيط، «طول الوقت كنت ببقى سامعة صوت اللمبة اللي على السلم أو صوت التلاجة. فيه أصوات كده بتبقى موجودة طول الوقت، بس بيبقى فيه هدوء ظريف في الساعة اللي بيحصل فيها القطع دي». 

زحمة النور وأمان الضلمة

أحمد عبد الظاهر، طالب علوم حاسبات، مقيم في شبرا الخيمة في محافظة القليوبية، يحكي كيف أنه تأقلم مع انقطاع الكهرباء، والملل المصاحب لذلك، فبالرغم من شعوره بالغضب من انقطاع الكهرباء «في عز الحر»، لكنه يقول «يمكن علاقتي بالضلمة علاقة صداقة قديمة من أيام لعبة الاستغماية مرورًا بلذة العزلة، فمكنتش بستقبل قطع الكهربا بـتأفف.  في محاولة مني اني اغلب الملل، لأن مفيش إنترنت بقلب في الجاليري فبقابل صور بحكايات بقالي زمن معدتش عليها ولا افتكرتها. وبما ان الواحد مش متشاف فممكن يعمل حاجات كان بيغفل عنها في زحمة النور والآلة زي الكتابة المهجورة. أو زي إني أسمع موسيقى بتجنب اسمعها في زحمة يوم طبيعي عشان ماعطلش في نص اليوم. وسبحان الله الواحد بيتعرف علي أسرته من جديد وبيكتشف حكايات لأول مرة بيسمعها». 

لكن أكثر شئ نال تركيز أحمد في انقطاع الكهرباء هو «إني بسمع صوت الناس أوضح من أي وقت، لأن بيكون صوت الآلة واقف، بيكون العالم واقف. الناس مش مربوطة ومشغولة بالآلة وممارسة حياتها المجبرة عليها كالعادة، فبيحاربوا الملل بالكلام الكتير مع بعض أو على بعض. الغضب بيطلع علي هيئة كلام في أمان الضلمة وزحمة الأصوات المتداخلة، وده أكتر شيء بحب أسمعه بوضوح»، يشعره هذا هو شخصيًا بالأمان، لأنه غير مرئي، على حد قوله، كأنه أخذ راحة من «الجري» للحظات، حتى لو لم يمنع كل هذا تعطل دراسته، ومباراة الأهلي التي فاتته بانقطاع الكهرباء.

يعيش أحمد مع أسرته. في بداية انقطاع الكهرباء، كانت تنقطع خمس مرات يوميًا، ثم تحسن الوضع قليلًا، وباتت تنقطع مرة أو مرتين، بمتوسط ساعة في المرة، في المساء، في التاسعة والحادية عشر مساءً. جميع أفراد الأسرة يعملون، لذلك ليس بإمكانهم الاستعداد لـ «غدر الكهرباء» على حد قوله. كان تأثير انقطاع الكهرباء على باقي أسرته، التي كانت نادرًا ما تجتمع، أن باتوا يجتمعون على «الحكاوي» في انتظار عودة الكهرباء، بعد أن يفصلوا كهرباء البيت، حيث تعلموا القيام بهذا بعد احتراق ثلاجة جارهم، نتيجة انقطاع التيار.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

شوارع مظلمة.. مخيفة

سارة حسن، تعمل في مجال المشروعات التنموية، ومقيمة في حي المعادي بمحافظة القاهرة، كانت من ضحايا احتراق الأجهزة. الموضوع كله بدأ مع سارة قبل أكثر من شهر، حين اتصلت بها جارتها، لتبلغها أن منزلها تفوح منه رائحة عفونة قوية. كان المنزل مغلقًا في هذا الوقت، لكنها اضطرت للعودة لتجد أن الرائحة تلك قد خرجت من الفريزر المحترق في الثلاجة المحترقة، فبقت في المنزل منذ ذلك الحين. تكرر الأمر لاحقًا مع الانقطاعات العشوائية القصيرة للكهرباء، ففي إحدى مرات العودة للتيار الكهربائي حدثت «قفلة» بالكهرباء، فاحترقت مقابس أجهزة مثل الغسالة والثلاجة، ومرة أخرى احترق الراوتر. والآن، بسبب هذه الحوادث، لديها قلق شديد من احتراق التكييف، بالذات أثناء نومها، لذلك أصبح نومها قلقًا متقطعًا. 

المشكلة الأكبر بالنسبة لسارة، هي إحساسها بعدم الأمان في الشوارع التي تصبح حالكة السواد حين تنقطع الكهرباء فيها، تقول «لما بهرب وأمشي من البيت بسبب قطع الكهرباء، بلاقي نفسي فجأة ماشية في شوارع ضلمة، بمشي خايفة وببص ورايا، أو أمشي بسرعة لو حسيت إن حد ماشي ورايا». 

خلقت سارة لنفسها نظامًا ظنت أنه محكمًا، لكن المسئولين عن قطع الكهرباء لم يساعدوها على تنفيذه؛ في بداية انقطاع الكهرباء، كانت تنقطع عشوائيًا أكثر من مرة يوميًا، وبعد وضع «الجداول» انتظمت على الانقطاع في الثالثة عصرًا لمدة ساعة. بدأت سارة روتينًا جديدًا للتأقلم مع هذا الموعد، تستيقظ مبكرًا عن موعدها المعتاد، تحضر الطعام لنفسها ولكلبها، وكان الأمر معقولًا بسبب انقطاع الكهرباء بالنهار، لكن بعد شكاوى بعض الشركات في شارعها، من انقطاع الكهرباء أثناء ساعات العمل، تغير الموعد للثامنة مساء، فتغير روتين سارة كله.

تقول: «بدأت أظبط كل المواعيد والخروجات في مواعيد قطع الكهربا. لو حد كلمني الساعة 7 بقفل عشان ألحق آكل وأحضر نفسي والبس عشان أنزل. تظبطي ساعتك على 8 إلا عشرة أبقى على السلمبروح أقعد في الكافيه اللي قدام البيت، عشان هو في الخط اللي قدامي، فبيبقى فيه كهربا، بس لازم أمشي منه قبل الساعة 11، عشان ده وقت انقطاع الكهرباء عندهم». قابلت سارة كل أصدقائها ومعارفها في تلك الساعة التي تقضيها يوميا في الكافيه، بالذات لأنها تخاف هي وكلبها من الظلام. المشكلة أن عشوائية انقطاع الكهرباء عادت مرة أخرى، وفشلت كل خطط حسن، مجددًا، في التأقلم. وعادت لتعيش في فوضى. لا يمكنها العمل، لا يمكنها حتى أن تقرر ببساطة أن تشاهد فيلمًا، أو تنظف البيت، حتى مواعيد دخول دورة المياه، أصبح مرتبطًا بمواعيد انقطاع الكهرباء.

الجري وراء الكهرباء

في منطقة مختلفة في القاهرة، حي المقطم، يرن منبه المحامية أسماء نعيم وزوجها في الثامنة والنصف كل يوم، للإعلان عن «حالة الطوارئ ج»، مثلما تسميها. توضح «اللي عاوز يسخن حاجة، اللي عاوز يلحق يطلب أكل، على بال ما الدليفري ييجي، أو لو فيه شغل نخلصه، قبل الساعة عشرة ونص. على عشرة ونص كله يكون خلصان ونقعد نستنى قطع الكهربا». في أثناء فقرة الطوارئ، تتذكر أسماء أنها اتصلت بالسوبر ماركت لأنه تأخر، خوفًا من انقطاع الكهرباء الوشيك لديها، فاعتذر لها عن التأخير بسبب انقطاع الكهرباء لديه. تقول «المشكلة في كل حاجة حوالينا». 

لم يكن موعد الانقطاع هذا ثابتًا أبدًا. ففي البداية كانت الكهرباء تنقطع أكثر من مرة في الصباح، وبعد أن تعودت هي وأسرتها على الأمر، تغير الموعد للسادسة مساءً. وبالرغم من أن منطقتها لم تكن مدرجة في جداول الحكومة، علمت بالموعد من تكراره. وقتها كان حارس العقار قد علق ورقة بموعد انقطاع الكهرباء القديم، واضطر لتغييرها مجددًا، على باب المصعد. كانت المشكلة بالنسبة لها أن موعد انقطاع الكهرباء يتزامن مع موعد عودتها من العمل. في إحدى المرات بقت منتظرة ما يقرب من ساعة، في مدخل البناية حتى عودة الكهرباء، ثم حاولت أن تستغل الوقت بين عودتها من العمل وعودة التيار الكهربائي، في شراء احتياجاتها من المحال المجاورة، لكنها اكتشفت أن المحال أيضا لا تعمل بسبب انقطاع الكهرباء، فقامت بعمل ترتيبات في العمل، بأن تؤخر مواعيد عملها ساعة، من أجل عودتها مع عودة الكهرباء. 

مجددًا، هذه الخطط المحكمة، لم تستمر. بعد التأقلم لفترة، تغير موعد انقطاع الكهرباء، للمرة الثالثة، ليصبح في الحادية عشر مساءً، ولمدة ساعة. ولأن حياتهما الاجتماعية تنشط في المساء بدرجة كبيرة، توقفت هي وزوجها عن استقبال الأصدقاء، بسبب عدم وجود مصعد وبسبب الحر الشديد. وبالطبع تأثر عملهما بالأمر أيضًا، خاصة ما يحتاجا لإنجازه في البيت. تحكي أسماء.. «فيه يوم رحنا الاسماعيلية، وانتبهنا على الساعة 7 ونص إننا لازم نجري من هناك، وبدل ما احنا كنا مسافرين ننبسط بقينا مشغولين بحاجات تانية، عشان معانا كراتين مانجة ولازم نلحق الأسانسير قبل ما الكهرباء تقطع، لدرجة إننا وصلنا وجرينا وملحقناش نسلم على أصحابنا»

اختيار البلكونة، هو اختيار الكثيرين للتعامل مع الحرارة في انقطاع الكهرباء. الأمر أسهل للرجال من النساء، فالصورة الشهيرة للرجل المصري الجالس في بلكونته بالفانلة الداخلية، تؤكد على هذه السهولة. في المقابل، الجلوس في البلكونة بالنسبة للنساء يستدعي، في الأغلب، ارتداء ملابس «مناسبة»، ربما تزيد من الشعور بالحرارة. تختار أسماء البقاء داخل البيت وتحمل الحر. تعيش الأسرة على كشافات الهواتف المحمولة، بعد أن حرقت قطتهما حواجبها بسبب شمعة مشتعلة. «القطة الوحيدة اللي بتنبسط في البيت من قطع الكهربا، عشان بتلعب مع خيالات الضل والنور».

ننشغل بالظل كي لا نخاف الظلام

خيال الظل، كان أيضًا حيلة أميرة الوكيل مع طفلها ذي الخمس سنوات. الوكيل، أستاذة جامعية، تدرس المسرح بكلية الآداب بجامعة حلوان، ليس لديها مواعيد ثابتة لانقطاع الكهرباء حيث تعيش في حي الملك الصالح، بمحافظة القاهرة، لكن من حسن حظها ربما، أن الكهرباء تنقطع ثلاث مرات في الأسبوع، وليس يوميًا، ولو أن التعامل مع طفل صغير، مع انقطاع الكهرباء المتكرر بدون موعد ثابت، به قدر من التحدي. بسبب تخصصها في المسرح، تعرف ابنها على فنون خيال الظل في السابق، لكن مع انقطاع الكهرباء، شجعته أميرة على الانشغال بموضوع الظل، حتى لا يخاف من الظلام.

نمى طفلها مهاراته مع الظل، فبعد أن كان يصنع أشكال حيوانات بيده، تعلم أن يحرك حيواناته ويصنع منها ظلالًا، عبر كشاف صغير. «العدة» دائمًا جاهزة بالقرب من أميرة، حتى أن الطفل «يحيى» أصبح يطلب من والدته، دون إنقطاع الكهرباء بالضرورة إعداد ما أسماه «سينما المسرح» لفنون الظل والحركة. تحكي أميرة أن هذه الحيلة نجحت مع يحيى، فحين انقطعت الكهرباء وهما في أحد المحال، تعامل جيدًا مع الموقف. بالطبع بخلاف تأثر عملها، المعتمد بشكل كبير على القراءة والأبحاث والكمبيوتر، هناك مجهود ووقت تضعه مع طفلها حتى لا يشعر بالملل. بخلاف خيال الظل، تقوم بأنشطة أخرى معه، مثل قراءة قصص أو الغناء أو لعب الموسيقى.

تقول أميرة «لازم نخلق أجواء. زي وقت كورونا، كنا ساكنين في بيت في الرووف، ومكانش فيه خروج وفي عزلة تامة، فكنا نطلع على السطح، نلعب كورة. الأزمات دي مهما كانت مرعبة لازم نتكيف، بالذات الأطفال. والضغط طبعا بيبقي على الأم أكبر. يعني في الأول هو كان بيستغرب ليه بيخش الحمام في الضلمة، بس هو ربط من نفسه بين قطع الكهرباء وقصة قراها عن توفير الطاقة، والحفاظ على البيئة، وأنا بحاول أخفف له الأزمة شوية».

روتين جديد مجنون

لا تعرف أميرة سبب حظها الجيد نسبيًا، ربما لوجودها على خط  بعض المستشفيات الحكومية، لكن حظ سارة، التي فضلت ذكر اسمها الأول فقط، والتي درست العلوم السياسية، ومقيمة مع أسرتها في محافظة البحيرة، أسوأ، نتيجة سكنها بجوار أحد المستشفيات الخاصة. تقول «المستشفى الخاصة بجوارنا بتشغل مولد بيطلع دخان بنزين بيخلي الجو بشع، مش قادرة نتنفس». تشعر سارة بالغضب الشديد من حرمانها من أبسط حقوقها. بالذات مع انقطاعات طويلة للمياه أيضًا، تسبق حتى انقطاعات الكهرباء الحالية،  بالإضافة لضعف المياه العام حتى عندما يعود التيار.

الأمر يؤثر بالذات على والدتها المريضة، والتي تحتاج إلى المياه باستمرار، نتيجة مرضها المتعلق بالجهاز الهضمي. في البداية كانت الكهرباء تنقطع لأكثر من ستة ساعات، مقسمة على ثلاث مرات، موزعة بين الصباح والظهيرة والمساء. توقفت الكهرباء عن الانقطاع لبعض الوقت، ثم عادت للانقطاع لمدة ساعة يوميًا مؤخرًا. تقول سارة عن عاداتها اليومية مع الأمر، بالذات في الفترة الأولى من انقطاع الكهرباء «طبعا قاعدين في الفراغ والظلام بنطلع البلكونة نتقرص من الناموس. وبناخد راحة من النت، دي الحسنة الوحيدة. طبعًا روتين حياتي اتغير اني بجري زي المجنونة أعمل الأكل وأنضف البيت وكل حاجة في الفترة اللي فيها كهربا ساعة فتخيلي التعب والإرهاق، طبعا مكنش ينفع أي خروج عشان الهدوم محتاجة كي ومش عاملة حسابي».

لاتزال الكهرباء تنقطع في منازل الجميع، بما فيهم بنايتي، التي  تنقطع فيها الكهرباء في نفس الموعد كل يوم، وأحيانًا أحضر هذا الانقطاع عدة مرات في مناطق متفرقة. تتأخر الطلبات وربما تصل فاسدة بسبب انقطاع الكهرباء، خدمات كثيرة تتأثر، فيتوتر الجميع، وتتكرر المشاحنات، فالحياة في هذه الحرارة الشديدة بلا كهرباء شديدة الإزعاج. أحاول العمل، بصعوبة، دون قدرة على الإنتاج، في هذه الساعة الضائعة حتى تنطفئ بطارية جهازي، بلا مروحة وبلا تكييف. أبدو متأقلمة، لكنني لست كذلك.

بعد عودة الحياة نسبيًا لطبيعتها بعد جائحة كورونا، بقيتُ لفترة أطول غير قادرة على التخلي عن إجراءاتي الاحترازية. بقيت لوقت طويل أخاف من التجمعات، ولازلت أشعر بالغرابة الشديدة حين أتواجد وسط عدد كبير من الأشخاص، وقد تسود دقائق من الصمت المريب بيني وبين الأصدقاء، كأننا فقدنا مهارات التواصل. لا أعرف إلى متى سنضطر للتأقلم مع انقطاع الكهرباء؟ وهل سنعود لحياتنا الطبيعية؟ لعاداتنا القديمة؟ بعد أن ضبطنا ساعاتنا البيولوجية على عادات معينة، اضطرارًا.  

للتخلي عن مسئوليتها، أعطت الحكومة أوامرها لوسائلها الإعلامية بأن تدعي أن الأزمة عالمية، فبدأت قنواتها في نشر أخبار «مفبركة» عن أن حكومات مثل بريطانيا لديها هي الأخرى خطط مماثلة لتخفيف الأحمال. أقرأ مثل هذه الأخبار، أشعر بالغضب والحر والأحمال أكثر فأكثر، وتفشل كل محاولات التأقلم.