fbpx

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

أعرف إنه لم يعد قلب الإسكندرية فقلوب المدن الآن تتجه نحو أطرافها عبر تلك الامتدادات التي لا يتوقف فيها البناء
ــــــــ التماثيل و النصبــــــــ المـكـان
6 أكتوبر 2021

ميدان المنشية.. أول ميدان ارتبط في ذهني بالبهجة، كانت أسرتي ونحن صغار تقيم في السعودية مثلا آلاف الأسر المصرية في عقد الثمانينات، وفي أوقات الإجازات كانت زيارة الميدان المزدحم دومًا تعني لعبة جديدة، أو ملابس جديدة، ميدان مزدحم بالبشر والألوان ويطل على البحر، لم تشهد طفولتي مكانًا مثل هذا.

كان الميدان الضخم في وسط الإسكندرية أيضًا سببًا في أول اصطدام لي بالتاريخ، ورواياته ومصادره، سألت أبي مرة ونحن نعبر الميدان عن اسم صاحب التمثال الذي يتوسط الميدان الضخم، رجل معمم ذو لحية، يركب حصانًا يرفع إحدى ساقيه في خيلاء، قال لي أبي ونحن نعبر الطريق.. أحمد عرابي.

بعدها بأيام سألتنا المدرسة إن كنا نعرف اسم صاحب التمثال في ميدان المنشية.. أجبتها بفخر.. أحمد عرابي، نظرت لي المدرسة بخيبة أمل وقال.. لا التمثال لمحمد علي، غضبت ساعتها ورفضت إجابة المدرسة وأخبرتها أن أبي هو الذي أخبرني ذلك، غضبت المدرسة وقالت.. أبوك لا يعرف.

عدت من المدرسة غاضبًا وأخبرت أبي ما حدث، فغضب هو أيضًا وأخذني يومها إلى الميدان ليريني اللافتة القديمة المعلقة على أحد الحوائط.. “أحمد عرابي” لكن أبي لم يلتفت للكلمة المكتوبة فوق الاسم.. “ميدان أحمد عرابي”.

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ربما من ساعتها ارتبط التاريخ عندي بميدان المنشية، وخبرت من ساعتها أن للتاريخ تقلبات وأحوال لا تمضي بأي حال في خطوط مستقيمة، نشأ الميدان في وقت صعود دولة محمد علي الذي حكم مصر بين 1805 حتى 1848، قبلها يصف علي باشا مبارك منطقة المنشية في موسوعته الشهيرة عن مصر في القرن التاسع عشر “الخطط التوفيقية” كأرض شاغرة شبه مفتوحة كانت تستخدم من قِبل البدو كسوق للماشية ولبيع بضائعهم كالتمر والصوف وما إلى ذلك. وكانت تعرف آنذاك بـ “كوم الحَلة”. صودرت البيوت القليلة في هذه المنطقة وتم تعويض أصحابها.

ساعتها قرر محمد علي  إعادة بناء الأسكندرية على النسق الأوروبي من ثم كان لابد من تأسيس ميدان مركزي لهذه المدينة، أول بناء أقيم في المنطقة كان مسجد “الشيخ إبراهيم” (1820)، أما الثاني فكان وكالة “محرم بك”، التي حملت اسم قائد الأسطول المصري وزوج ابنة محمد علي. وأعقب ذلك بناء سكن “دا أناستازي” وسكن “چيبرا” الذي اشتراه الوالي لاحقا. أما أسواق اللحوم والخضروات فكانت في الأصل أزقة أو حارات قام الوالي بمنحها للأمراء الذين قاموا باستثمارها في النهاية.

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

حمل الميدان الجديد في البداية اسم “ميدان القناصل”، قام بتصميمه المهندس الإيطالي “مانشيني” الذي قيل أنه أيضًا قام بتصميم معظم مبانيه. الميدان الذي بلغ طوله 420 مترًا وعرضه 65 مترًا أحاطت به المباني بالكامل. أبنية سكنية مستطيلة بارتفاع ثلاثة أو أربعة طوابق بدت مشابهة لمفهوم الأبنية المطبق في مدن إيطالية مثل ميناء «تريستا» إبان حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية بمنتصف القرن الثامن عشر. لقد أوشكت الإسكندرية أن تصبح الميناء الرئيسي لإمبراطورية محمد علي الجديدة.

ارتبطت الحركة التجارية النشطة لميدان القناصل بثروات اليونانيين الجديدة وبأصدقاء الوالي محمد علي وشركائه المقربين في التجارة. وقف قصر المسيو “توسيتزا” (القنصل اليوناني) والذي صممه “مانشيني” بشموخ على رأس الجهة الشرقية للميدان. وكذلك كان هناك القصر الأنيق الخاص بالكونت “زيزينيا” قنصل بلجيكا. غلبت الأنشطة التجارية على الميدان.. العديد من الوكالات الكبيرة مثل وكالة “چِبرا”، وكالة “دا أنستازي”، ووكالة “نوڤ” (الوكالة الجديدة)، كانت أدوارها الأرضية مخصصة لكل أنواع المشروعات التجارية والخدمات العامة.

حكاية مليئة بالإشراق أليس كذلك؟ ربما لأنها قادمة من زمن بعيد؛ وهي ليست الحكاية الوحيدة.. هناك الكثير من الحكايات والحوادث المرتبطة بالميدان الكبير، ثمة حكاية أخرى مثيرة ترتبط بالتمثال الذي كان محل الخلاف بين أبي ومعلمتي.

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

صور تاريخية لميدان المنشية من أرشيف مكتبتي البلدية والإسكندرية

بعد التماثيل الباقية من زمن الفراعنة، والتي كان المصريون يطلقون عليها “المساخيط”، كانت هذه هي المرة الأولى التي يقام فيها تمثال لشخص على متن جواد في ميدان عام في بلد مسلم.كان هذا التمثال للوالي محمد علي صاحب تأسيس الميدان وقد أمر بإقامته الخديوي إسماعيل (حكم مصر 1863- 1879) إلا أن إقامته في وسط الميدان واجه مقاومة شديدة من  علماء الدين والأهالي باعتبار أن الأمر منافي للشريعة الإسلام التي تحرم تصوير الأشخاص، لم يتم نصب التمثال في الميدان إلا بعد أن تدخل الشيخ محمد عبده نافيًا أن تكون للتمثال الحديث شبه كونه من الأصنام، وكان من المقرر أن تنصب حول التمثال أربعة تماثيل أخرى لأسود ضخمة، إلا أن الخديوي تراجع وتم نصب التماثيل فيما بعد على مداخل كوبري قصر النيل بمدينة القاهرة.

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

في عام 1866 أُنشئت بورصة تبادل الأوراق المالية برأس مال أولي بلغ 24 ألف جنيه. واستُخدم قصر “توسيتزا” سكن القنصل اليوناني، كمقر للبورصة الجديدة، وأيضا كمقر لمكاتب الإشراف الصحى ومجلس “الأورناطو” الذي كان مختصًا وضع لوائح البناء وتوسعة الشوارع. كما ضم المبنى أيضا مقر “النادي الدولي” ومكتبة عامة احتوت على حوالي 8000 كتاب.

لكن لم يمض الزمن هادئًا فترة طويلة على المبنى الكبير؛ عندما قصف البوارج البريطانية للإسكندرية في 12 يوليو 1882 سيتم تدمير الميدان الكبير بالكامل ولكن سيصمد هذا المبني وستكون ساحته بعد دخول القوات الإنجليزية للبلاد محكمة للثوار بل وتنفيذ حكم الإعدام فيهم ودفنهم فيها.

سيشرق البناء مرة أخرى لفترة، وسيلعب دورًا في عصر الجمهورية.. لكن قبل أن نواصل متابعة ألعاب التاريخ بمبنى البورصة، فلنقي نظرة على تمثال حفيد راكب الحصان الذي لم يكن بعيدًا عن تمثال الجد.

في عام 1938 تم إقامة نصب الجندي المجهول على شاطيء البحر بالمنشية وتوسطه تمثال للخديوي إسماعيل، صمم النصب والتمثال بواسطة المعماري الايطالي إرنستو ڤيرّوتشي كبير مهندسي القصور الملكية في عهد الملك فؤاد، وكانا إهداء من الجالية الإيطالية بالإسكندرية على غرار نصب الجندي المجهول وتمثال الملك فيكتور إيمانويل الأول بروما، تقديرًا لجهود إسماعيل، الذي كانت الأموال التي استدانها من أجل حفلاته الباذخة وقصوره الفارهة، سببًا في الاحتلال الانجليزي لمصر، مات حزينًا في الأستانة (1895) بعد أن تم عزله من حكم البلاد.

بعد انتهاء العدوان الثلاثي على مصر في 1956 أعلن نصب الجندي المجهول، نصبًا تذكاريًا لشهداء معركة البرلس، بعدها في 1963 قررت الدولة إزالة تمثال الخديوي إسماعيل، وألقي به في مخازن كلية الفنون الجميلة، وفكرت مصلحة سك العملة في صهر التمثال وتحويله إلى عملات معدنية صغيرة، لكن لم يتخذ قرارًا فعليًا بذلك.

في مطلع الألفينات تم سحب التمثال من المخازن وتم نصبه مرة أخرى في نهاية شارع صفية زغلول بوسط المدينة أيضًا.

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

قصر القنصل اليوناني، الذي صار بورصة الأوراق المالية، ثم مقر محاكمة ضباط الثورة العرابية، ثم مرة أخرى البورصة، في  1954أختار شرفته جمال عبد الناصر الضابط الصاعد نجمه ليلقي من فوقها إحدى خطبه التي صارت شهيرة عندما أُطلق عليه الرصاص ساعتها ولم تصبه ثم قال جملته الشهيرة..” إذا مات عبد الناصر فكلكم جمال عبد الناصر”، ويؤرخ بتلك الحادثة لبداية القطيعة بين جمال عبد الناصر والإخوان المسلمين إذ اتهمت الجماعة بمحاولة الإغتيال، وصدر قرار بحلها.. ودار التاريخ.

بعدها بسنتين يعتلي عبد الناصر الشرفة مرة أخرى، ليعلن تأميم قناة السويس في 1956، ويرتفع النجم كثيرًا.

في ذلك العصر لم تعد هناك حاجة لبورصة للأوراق المالية، فصار القصر القديم مقرًا لحزب الدولة الأوحد على اختلاف اسماءه.. هيئة التحرير (1953- 1957)، ثم الاتحاد القومي (1957- 1962) وأخيرًا الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أنشأ في 1962.

رحل عبد الناصر في 1970 ولم تستعمل شرفة المبنى مجددًا في الخطب الحماسية، وجاء السادات بسياساته، التي كان منها أن أعلن في يناير 1977 رفع الدعم عن السلع الأساسية، لتخرج الجماهير غاضبة على زيادة الأسعار الجنونية، بدأت التظاهرات في الأسكندرية -هل من قبيل السخرية أنها شرارتها اندلعت عن كوبري في منطقة القباري اسمه كوبري التاريخ- اندفعت الجموع الغاضبة نحو قلب المدينة، وأحرقت رموز الدولة وعلى رأسها مقر الاتحاد الاشتراكي، ظلت النيران مشتعلة في المبنى ليومين، وبعد فض التظاهرات، قررت محافظة الاسكندرية إزالة ما بقى من المبنى وتحويل أرضه إلى ساحة انتظار للسيارات.

هل تشبه الحكاية، حكاية مقر الحزب الوطني في القاهرة والذي احترق في 28 يناير 2011، ثم قررت الدولة هدمه في 2014، ثم ضم أراضيه لصندوق مصر السيادي.

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ربما تتشابه الحكايات، وربما أيضًا تصنع مآسي في نسختها الأولى، وهزليات بائسة في تكرارها، مازلت أصطحب طفلي لميدان المنشية عندما أرغب في شراء لعبة له، ولا أعرف إن المكان سيثير عنده من البهجة ما أثاره عندي، أم أن زيارة أحد المولات ستكون أكثر بهجة له.

أمرُ عبر الميدان، عبر اسمائه المختلفة التي حملها ميدان القناصل/ ميدان محمد علي/ ميدان السلاح/ ميدان أحمد عرابي/ ميدان التحرير، وأعرف إنه لم يعد قلب الإسكندرية فقلوب المدن الآن تتجه نحو أطرافها عبر تلك الامتدادات التي لا يتوقف فيها البناء.

يبدو الميدان قديمًا مهملًا، وأتساءل فقط عن لعبة التاريخ التي لا تسمح لنا بالاحتفاظ بطبقاته، لكن تمحى تلك الطبقات بانتظام، كيف تتكون الذاكرة إذن؟ لكن غالبًا سؤال الذاكرة لا يهم حكام اليوم، فمن الأفضل بالنسبة لهم أن يطوي النسيان كل ما كان.

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

ميدان المنشية وألعاب التاريخ 

مقر مبنى البورصة القديم

ميدان المنشية وألعاب التاريخ