fbpx
خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

من له الحق في المدينة

بعد سماع هذه القصص ستبدو لك خريطة تونس العاصمة مثل جُزرٌ متناثرة يفصلها بحرٌ من العنف والخوف
24 أغسطس 2023

لطالما تساءلتُ عن الطريقة التي تخلق بها الأقليات فضاءات موازية لممارسة حريّاتها في تونس. خاصةً مع ظهور خطابٍ عام وسطحي في البلاد، بعد 2011، بخصوص الحريّات المُستعادة بعد عقود من القمع. كيف هي هذه الفضاءات؟ وكيف تقضم أجزاءً صغيرة من جسد مدينةٍ مثل تونس؟

ويدفعني هذا للتساؤل حول حصّة الأفراد من حريّة التنقّل في المدينة، وكيف يستقبل الفضاء العام الأقليّات في ظلّ هيمنة لخطاب أغلبيّ يقصيهم. سنحاول أن نجيب على هذه التساؤلات من خلال تسليط الضوء على مسارات شباب من مختلف المشارب. لنفهم طريقة تحرّكهم في المدينة بمختلف تفاصيلها، مزاياها وعراقيلها

“رحلة منيكَة”: مدينةٌ بجزرٍ متناثرة

تعرّفتُ على شوقي (20 سنة) أثناء اشتغالي على مجموعة من المقالات عن المدينة العتيقة أو المدينة العربي كما يسمّيها الكثيرون. شابّ بملامح حادّة. يرتدي دائمًا جينز وحذاءً رياضيًّا. قابلته في باب بحر ، البرزخ الذي يفصل في سنوات الاحتلال بين الجزء العربي والأوروبي من المدينة التي أحدثت بهدف الفصل بين طبقتين لا يمكن أن تختلطاَ في نفس الفضاءات. 

في مقابلتي مع شوقي تأكّدت أنّ هذا التقسيم لم يختف بل أخذ طابعًا وشكلًا مغايرًا فقط. يقضي الشّاب معظم وقته في “الحومة”. هنا، الشّارع امتدادٌ للمنزل تقريبًا ولا حاجة لتغيير الملابس. “الدار، القهوة والبياسة”. ثلاثة أماكن يقضّي فيها شوقي وأصدقائه اليوم. 

ينتمي هؤلاء إلى فئاتٍ شبابيّة انقطعت عن الدراسة ولم تجد الطريق للتكوين المهنيّ الذي يتشدّق به معظم الوزراء الذين تعاقبوا على المنصب منذ الثّورة. تخلق هذه الوضعيّة عند فئات شبابيّة إحساسًا بالانطواء وتدفعهم إلى تمثّل ضيّق للمدينة. فبالنسبة لهم، هو الفضاء الآمن الذي اعتادوا ارتياده وحفظوا تفاصيله. 

اذًا، فالاكتفاء بحدودٍ مرسومة ليس خيارًا بل هو نتيجةٌ لعنفٍ تفرضه المدينة التي لا تلفظ متساكنيها فقط بل تدفعهم إلى التنازل عن حقّهم في التنقّل. فشوقي، كالعديد من أصدقاءه، كانوا ضحايا لمجموعة من الممارسات التي عزّزت شعورهم بالإقصاء. “من الحومة لوسط البلاد رحلة منيكة”. يمتنع شوقي عن الذهاب لوسط المدينة إلاّ عند الحاجة. يبعد شارع الحبيب بورقيبة عن منزله مسافة عشرين دقيقة مشيًا تقريبًا. لكنّها رحلة “منيكة” كما وصفها. ذلك أنّ المعاملة الأمنيّة، التي تتّسم بالخشونة والفرز في أغلب الأحيان جعلت فئاتٍ شبابيّة تمتنع عن التنقّل.

“صارت برشا مرّات، فمّة شكون تلكشو عليهم ومن دون ناس الكل يجيك يقلّك بطاقة التعريف.” هكذا، تتحدَّدُ جغرافيا العنف المسلّط من طرف البوليس الذي يتحوّل إلى مجرّد أداة لعمليّة فرزٍ اجتماعيّ. وبالتّالي تكون المدينة، فضاءً يبرز اللّامساواة بين مختلف المواطنين من خلال اجبارهم على التنازل – لا إراديًّا– عن حقّهم في التنقل بكلّ حريّة. 

تدوم هذه الوضعيّة في تونس منذ سنواتٍ طويلةٍ. وقد ولّد العنف الرّمزي والقمع البوليسيّ المسلّط على الفئات الشبابيّة شعوراً بعدم الانتماء يترجمفي كثيرٍ من الأحيانإلى ردود فعلٍ عنيفة تجعل المدينة تتحوّل من فضاء جامع (نظريّا) إلَى مجالٍ للصراع بين الأفراد والتطبيع مع ممارسة العنف.

أولويّة السّلامة

أدّى تزايد العنف في المدينة إلى تأقلم الآلاف مع الأمر والقبول بالأمر الواقع. تحدّث علي معي بحذرٍ شديد. وفي كلّ مرّةٍ يلقي نظرةً إلى الهاتف ليتأكّد أنّني لا أسجّل كلامه رغم كلّ تطميناتي. “نعمل هكّة في كلّ مرّة على خاطر ولاتلي عادة.” رغم تجاوزه الخامسة والعشرين سنة، يعيش علي حياةً منظّمة وفق نسقٍ مضبوطٍ لكي يخفي مثليّته.

كان علي ضحيّة اعتداءاتٍ متكرّرة في العديد من الأماكن. لذلك يتجنّب الظهور في الفضاء العام مع صديقه. سِجنٌ بسماءٍ مفتوحة. قد تبدو هذه العبارة مُبَالَغَةً في أكثر الاستعمالات اللغويّة اليوميّة، لكنّها هنا تتحوّل إلى وصفٍ دقيق لما يمكن أن تفرضه المدينة على أفرادٍ بسبب اختلافهم في ميولاتهم الجنسيّة. فالعاصمة، في عيون علي، ليست سوى فضاءً غير آمن يترصّد من خلاله فرصًا لممارسة حقّه في التواجد والتنقّل. 

تناضل جمعيّات المجتمع المدني في تونس من أجل إلغاء الفصل 230 من المجلّة الجزائيّة المجرّم للمثليّة الجنسيّة. والحقيقة أنّ النقاش حول هذا الموضوع كثيرًا ما يركّز على الجانب القانونيّ. في حين أنّ الإشكال يكمن في تغيير العقليّات وكيفيّة تعاملها مع الآخر المختلف. إذ لا يمكن السعي إلى أيّ تغييرٍ يذكر في حين يخلق علي والآلاف مثله مدينتهم الخاصّة على الهامش. وعلي ليس أول أو آخر مثليٍ يتعرض لاعتداءات في الشارع والأماكن العامّة، ليس من طرف مواطنين فقط بل حتى من طرف الشرطة. لا يمكن الحديث عن المساواة في ظلّ مدينة تجثو بكلّ ثقلها على صدور جزء من متساكنيها.

“نخرج ونص”

على عكس علي، لا ترى آية (22 سنة) أيّ مانعٍ في إبراز مثليّتها. “ما فماش علاش باش نتخبّى ونخبّي.” تقول الشّابة أنّ أغلب معارفها لا يخشون مواجهة العائلة بحقيقة ميولاتهم الجنسيّة. “وكانك على الشّارع، لازمهم الصدمة.” 

سياسة الصدمة، كما أسمتها آية تبسط أمامنا آليّات اشتغال الفضاء العام في تونس. إذ أنّ وقع عنف المدينة يختلف بحسب مجموعةٍ من المحدّدات لعلّ أبرزها الطبقة الاجتماعيّة التي ينتمي إليها الفرد وهذا وحده كفيلٌ بإخبارنا عن الموقع الذي يُمكنُ لشخصٍ أن يتحدى فيه مجتمعه في الفضاء العام.

اعتمدت آية وأصدقائها استراتيجيةً لافتكاك الفضاء العام، انّه جيل الثّورة الذي تفتّح وعيه السياسي في مناخ حريّاتٍ مطلقَة، وبالتالي تراجعت قيود المدينة من خلال جرأة مجموعاتٍ آمنت بحقوقها وتوفّرت لها الظروف الماديّة. لكن، اللافت أنّ عمليّة افتكاك الفضاء العامّ هنا، لم تبق حكرًا على طبقة اجتماعيّة فقط وانّما أيضاُ تقتصر على فضاءات خاصّة ومحدودَة عادةً ما تكون أولى مميّزاتها الانفتاح والأمان. 

عندما تؤكّد آية أنّها يمكن أنّها تقصد مع صديقاتها العديد من الأماكن للسّهر دون الخوف من الوصم أو التهديد، نفهم أنّ الفضاء العام لا يتواجد ككيان قائم الذّات بل يمكن تعريفه من خلال وجهة نظر فرد أو مجموعة ما. لكن مرّة أخرى لا يمكننا إغفال مسألة الطبقة، حتى لو كان هنالك اختلاطٌ للطبقات لدى المثليين في أماكن آمنة بعينها، إلاّ أن من نشأ وسط محيطٍ يتقبّل مثليته ويوفّر له امتيازاتٍ معيّنة، لا يمكننا مقارنة حياته وتجربته بشخصٍ لم يعرف من تونس سوى أحيائها الشعبية ومن الحياة فيها سوى طوابير الانتظار.

روحانيّات مكبوتة 

لا يتجلّى عنف المدينة فقط من خلال اقصاء الأشخاص من الطبقات المهمّشة أو بسبب ميولاتهم الجنسيّة. تبدو العاصمة من هذا المنظور، رافضةً لكلّ اختلاف. فليديا (32 سنة) قد حوّلت شقتها مع مجموعةٍ من أصدقائها إلى كنيسةٍ يجتمعون فيها لممارسة طقوسهم الدينيّة. تركت الشّابة الإسلام منذ أكثر من خمس سنوات. “خمسة سنين عذاب. في بلاد فيها حريّة الضمير، ما فمّاش حتّى كنيسيّة باش نصليّو فيها على راحتنا.”

في بلدٍ، أغلبيّته من المسلمين، تعاني الأقليّة المسيحيّة من العديد من الاشكاليّات. يظهر اعتناق دينٍ مغاير لملّة الأغلبيّة سببًا كافيا ليكون للفرد عقابًا مضاعفًا. اذ استبطنت الأغلبيّة سيطرةً على المشهد المدينيّ وأصبحت تقصي كلّ مختلف حتّى على المستوى الايماني. تقول ليديا أنّ العديد من المسيحيين التونسيين يرفضون اظهار أيّ علامة تدلّ على ديانتهم خوفًا من ردود الأفعال. كما أنّ الشعور بالضيم يتضاعف مع غياب دور عبادَة مراقبة من طرف الدّولة للمسيحيّين في تونس. قد لا تختلف الوضعيّة في العديد من بلدان العالم العربي. لكن، في بلد نصّ دستوره على حريّة الضّمير وحماية معتقدات الآخرين، لا يلغى المواطن بسبب ديانته

ما تعلّيش صوتكهذه الجملة، تخبرني ليديابنبرةٍ لا تخلو من سخريةأنّها أصبحت شعار المسيحيّين في الأماكن العامّة أثناء النقاشات

المنزلة بين المنزلتين

منذ الثّورة التونسيّة، بات النقاش حول الحريّات يصدّر في وسائل الاعلام وتحقّقت مجموعة من المكاسب. ولعلّ من أبرزها على الاطلاق هو الاستحواذ على الفضاء العام الذي كان حبيس سطوة الديكتاتوريّات المتعاقبة على البلد منذ الاستقلال. لكنّ اللافت أنّ هذا الاستحواذ صاحبه ديكورٌ جديد ظاهره حريّة وما وراءه معاناة أفرادٍ حرموا من حقّهم في التواجد وضاعت أصواتهم في صخب هتافات الأغلبيّة.

لا يعني اختلاف مسارات شوقي، علي، آية وليديا أنّها لا تتقاطع في العديد من النّقاط. اذ لم تحتضنهم المدينة ولم توفّر لهم الظروف الملائمة والحد الأدنى لممارسة حقوقهم في التواجد والتنقّل وممارسة اليومي. من خلال قصص هؤلاء الشباب، لا يمكن أن نتغاضى عن العنف المديني الذي يعزّز سطوة الأغلبيّة. 

بالنّسبة للعديد من الأفراد في العاصمة التونسيّة، وفي مختلف المدن، لا يبدو التساؤل عن شرعيّة التواجد في المدينة مستغرَبًا ذلك أنّ العنف المسلّط على العديد من الأفراد أعاد النقاش حول حقوق بديهيّة كالتنقّل والتواجد في الفضاء العام. 

بالنّسبة للأقليّات يبدو الأمر محسومًا. انّها المنزلة بين المنزلتين. فانتمائهم إلى محيطهم لا شكّ فيه ولكنّ التمتّع بحقوقهم لا يبدو أمرًا مضمونًا اذ لا يكفي تجذّرهم في هذه الأرض لتجنّب العنف على مسرَحِ المدينة.