أنا من مدينة صغيرة غرب العاصمة اسمها حجوط

ربما تعرفونها، تبدأ فيها رواية الكاتب ألبير كامو “الغريب”

انتقلت قبل عام للسكن في العاصمة

منذ قدومي إلى العاصمة وأنا أشعر أنني “الغريب”، الكثير من الأشياء هنا لم أتعود عليها

مثلا: ضوضاء الشوارع، والازدحام في الطرقات، ثم أنا لا أعرف أي جار من جيراني..

كل أصوات العاصمة غريبة بالنسبة لي. 

في شرفتي، في الطابق الخامس، أسمع دائما صوت “تشوتشو مالح”..ما هو “تشوتشو مالح”؟

هو طائر النورس، وهكذا يسميه العاصميون. لا أدري لماذا

لذلك خرجت إلى الشارع أسأل الناس عنه وعن علاقتهم به..

-صوت طارق-

واحد العام، أنا وجماعة صحابي رحنا نخيمو في البحر

في الطريق شرينا بزاف الحوت (الكثير من السمك)

كي وصلنا واحد منا حط المشوى. وضع الحجر، ثم حط الحطب وأشعل النار

و حط عليها المشوى

حنا كنا ندردشو ونحكو والسمك يتشوى

الجمر كان مازال ما حكمش مليح. ما زال ما سخنش مليح. يعني مازال يطول

حتى نلقاو “تشوتشو مالح” يجي زدم علينا

هجم 

هكذا تلامو على ذاك الكانون وين الحوت، ما جينا نجريو ليه ونشوه يروح

راح و دا معاه الحوت , و حنى بتنا بلا عشاء ناكلو غير الخبز و لهريسة 

وأنا نمشي في سوق “ميسوني” قعدت في القهوة

لقيت واحد زوج شيوخ يحكو، سألتهم عن “تشوتشو مالح” 

حكاولي على عمي عثمان، هذا عمي عثمان حكايتو غريبة جداً

من كثرة يحب الحيوانات داير في سطح داره ماكلة لـ “تشوتشو مالح”

دايرلهم حتى بسينة (إناء كبير) حتى يدوشو فيها

حبيت نعرف حكاية عمي عثمان فقررت نروح نشوفو

-عمي عثمان-

مرات نحط بسينة (إناء) صغيرة حتى يقدرو يتدوشو. و الله غير يتدوشو عجب. توحدي لربي

ينقوا روحهم ويتدوشو و يقعدوا شوي في الشمس يحل جناحيه ويفرح

نبدل الماء في الصيف لما يسخن نروح ندير اصبعي نلقاه سخن نعاود نديرلهم الماء

و يعرفوا كي يكون سخون ولا بارد

و لما يجي زعيمهم يبعدوا

يجي الزعيم.. يتدوش و ينقي روحو قبل و يأكل ما يحب وبعدها يقربوا البقية

توحدي ربي سبحانه

شهيناز: عندهم واحد يحكم فيهم؟

عمي عثمان: نعم. شوفي قاع الحيوان عندهم اللي يمشيهم، ما يغلطك حتى واحد

وهو يحكي لي على السطح، تذكرت جارتي رحيل، التي دائما تشتكي من “تشوتشو مالح”

-رحيل-

أنا أصلا نكره ننشر الملابس.. من أكره الاشياء عندي نغسل القش وننشرو ونطويه

وزيد بزيادة كي يكون عندك شرفة كبيرة تنشر فيها

يجوز عليك الأفراخ هاذو نتاع “تشوتشو مالح” يزقولك على القش يتوسخ القش

ويتحتم عليك تعاود تغسلوا.. تعاود تستناه ينشف ويشيح..

وأنت غير تتمنى ما يعاود وش يجوزوا عليك   

عمي عثمان: هو كي تشوفيه يتبع “شالوتي” (نوع من البواخر) تاع الحوت

عارف بلي راهو ياكل من الشبكة

بكري كان يطير ويعيش في البحر، ما كانش يدخل للمدينة.

نهار انفقد الشيء (أي السمك) ولّى يدخل المدينة وقوى

نطلعك داخل “القصبة” تصيبيه معشش في السطوح

هنا لوكان تجي في مبنى الدرك الوطني المقابل

اه معشش عندهم في السطوح

كلهم معشش عندهم، ما يدّنا ليك ما يحوّس عليك

“تشوتشو مالح” يشبهني 

كيما قال عمي عثمان هو ما جاش من العاصمة جاء من البعيد

بصح يدور في المدينة و يستعمر سماها

كاين شي ناس حبوه، و شي ناس أزعجهم و حبوه يروح

بصح هو راهو باقي، ما حبش يروح

كيما أنا.. كيما أنت.. كيما حنا   

تشوتشو مالح.. طائر يشبهني

من بين كل أصوات المدينة أجد صوت طائر النورس أو تشوشو مالح كما نسميه في الجزائر.. هو الأكثر تعبيراً عن حالة الغربة التي أعيشها.
ــــــــ الحيوان
شهيناز فتاكة
26 ديسمبر 2020

سكنلي في راسي” قول جزائري يعبر عن الازعاج المفرط من شيء يلازم تفكيرنا، لكن ما ينتابني هو شعور مختلف كلما خرجت لشرفتي وسمعت صوت تشوشو مالح أو النورس، إذ ألقى نفسي بين الحب والإنزعاج من هذا الغريب الذي يسكن سماء العاصمة. ربما لأنه يذكرني بعدم انتمائي لها، حتى بعد عام من انتقالي إلى هنا. وفي نفس الوقت تجعل غربتي فضولي ينمو اتجاهها، فأظل معلقة بين الحب و الانزعاج، مثل علاقة العاصميين بتشوتشو مالح.