fbpx
البابون رياض في المأوى- تصوير: باولا فران

في الحيوان والحرب.. النجاة بمن تبقى

الحيوانات التي كانت في قفص واحد أكل بعضها بعضًا، ومن لم يقتله القصف قتله الجوع والعطش. رائحة الموت تملأ الأقفاص وتختلط برائحة الفضلات والنفوق فتفوح وتمتزج برائحة موت آخر يطوق المدينة
ــــــــ الحيوان
13 أكتوبر 2023

لإخراج 32 حيوانًا موجود حاليًا في “حديقة السودان للحياة البرية” في الخرطوم إلى محمية “المأوى” في أحراج سُوف بالأردن، هناك احتمالان. أن تخرج الشاحنات المحمّلة بالأقفاص من الخرطوم إلى بورتسودان في طريق متعثر وصعب يمتد 850 كيلو يأخذ اجتيازه عدة أيام. ثم تُحمل الحيوانات من بورتسودان على متن مركب يلزمه 16 ساعة للوصول إلى جدة، ومن هناك تنطلق القافلة إلى الأردن برًا وقد يستغرق وصولها ثلاثة أيام، إلا لو توفرت إمكانية النقل جوًا فهذا يعني أربع ساعات أو أكثر قليلًا.

الاحتمال الثاني من الخرطوم إلى بورتسودان عبر الطريق نفسه، ثم إلى ميناء سفاجا المصري عبر أوتوستراد بطول 977 كيلو، ومن هناك إلى العين السخنة إما عن طريق البحر الأحمر أو الطريق البري، ثم منها تنطلق القافلة إلى الأردن. يعتمد تحديد الزمن على وسيلة النقل وهذه تعتمد بدورها على الخطة والتنسيق مع المعابر والجهات التي تسيطر عليها والتكلفة المتوقعة والخطر، ربما توضع شارة الهلال الأحمر على الشاحنات أملًا في أن تعبر بسلام. 

في حالات السفر العادية، فإن هذه الساعات أقل من ذلك بكثير. غير أنه سفر في ظروف استثنائية وخطرة، فيه شاحنات محملة بعشرات الأقفاص الثقيلة التي تحمل أسودًا ونمورًا ضباعًا وأنواعًا شتى من الحيوانات البرية، ولا شك أنها ستضطر  للوقوف على نقاط تفتيشٍ عادةً ما يتضاعف عددها في أوقات الصراع على السلطة، وتتحول إلى كمائن تتحكم في المرور منها أهواء القائمين عليها، وفي أوقات الحرب والاضطرابات لا يحكم هذه الأهواء أي منطق.

من سيخرج هذه الحيوانات أصلًا؟ ومن يتحمل مئات الآلاف من الدولارات لتوفير أقفاص واسعة بمواصفات محددة يحتمل الحيوان السفر فيها، ويتكفل بالشحن برًا وبحرًا وجوًا والطعام والبيطرة؟ وكيف يمكن ضمان تعاون قوات الدعم السريع ورضاها، على الأقل لئلا يسطو أحد على القافلة أو تُحتجز الشاحنات ويُستولى عليها لتخدم هذا الجانب أو ذاك. ثم هل يمكن الخروج بهذه الكائنات البرية دون الدخول في تفاوضاتٍ لن تخلو منها المصالح السياسية والمادية على الأرجح. حدث هذا من وقت قريب في حروب أخرى، ويبدو أنه تكرر أكثر من مرة، وأنه قابل للتكرار طالما يتصارع البشر.

أسئلة لم تجد إجابة حاسمة عليها بعد، كانت مدار النقاش بين فريق سوداني يضم بياطرة وناشطين في حقوق الحيوان مع الطبيب البيطري النمساوي المصري أمير خليل من منظمة  Four Paws في الأسبوع الثاني من أيلول (سبتمبر) الماضي. ما زالت الخطة قيد الدراسة على أمل تنفيذها خلال الأسابيع المقبلة، أثناء ذلك تنشر صفحة المحمية على فيسبوك صور الحيوانات التي تتضور من الجوع وتطلب المساعدة، فتتلقاها أحيانًا وتنتظرها لوقت طويل غالبًا. كان الأمر سيئًا حتى من قبل الأحداث الأخيرة، فكيف بالحال الآن!

في الحيوان والحرب.. النجاة بمن تبقى

منصور. تصوير باولا فران

 

رصاصتان في اليد… الموصل فبراير (شباط) 2017

اقترب قائد العمليات في حرب العراق على داعش عام 2017، عبد الأمير يار الله، رئيس أركان الجيش العراقي حاليًا، من خليل، “أنت الي مسوي مشكلة، تريد حلّ للدب والأسد؟ خذ الحل”، يفتح الجنرال يد البيطري ويضع فيها رصاصتين.

مات 89 حيوانًا في “منتزه المرور” الذي كان مقصدًا ترفيهيًا لعائلات الموصل على الضفة الشرقية لدجلة، لم يبق إلا دبّة وشبل. خلال سنوات سيطرته على الموصل (2014-2017) حوّل تنظيم الدولة الإسلامية الحديقة وما حولها إلى مخزن للأسلحة ومنطلق للعمليات، فأصبحت منطقة مستهدفة، وقُتل سكانها العاجزين عن الهروب أو مغادرة أقفاصهم أو الاختباء من وابل القصف.

أراد أمير خليل (58 سنة) إخراج الدبة والشبل من الموصل إلى أربيل ومن هناك إلى المأوى في جرش. يوضح في مقابلة زووم معه “أخذت من صاحب الحديقة الخاصة تفويضًا رسميا بالتصرف في الحيوانات بهدف العلاج”. وصل فريق الاستجابة بعد تنسيق مع جهات مختلفة من خارج وداخل البلاد، ومع من كان يكترث لأمر الحديقة في المدينة نفسها.

كان المشهد مروعًا، الحيوانات التي كانت في قفص واحد أكل بعضها بعضًا، ومن لم يقتله القصف قتله الجوع والعطش. رائحة الموت تملأ الأقفاص وتختلط برائحة الفضلات والنفوق فتفوح وتمتزج برائحة موت آخر يطوق المدينة. تحدث الناس عن قرود هزيلة فرّت من مسيجاتها إلى الأحياء القريبة، بعضها سرق من بيوت الناس طعامًا، وتناقلت الأخبار آنذاك شهادات من رأوها وأولئك الذين لاحقوها إلى أن استردوا طعامهم من بين أيديها.

في تلك الأشهر الحاسمة، ذروة الحرب على داعش، لم يبدُ منطقيًا لكثيرين أن هذا وقت الاكتراث لشأن دبة وأسد، رغم ذلك كان الجنود يسترقون دقائق ويقتربون منهما ويلعبون معهما ويلتقطون لهما الصور ثم يرسلونها لأطفالهم وحبيباتهم وعائلاتهم

حمل الفريق الدبة والشبل في قفصين مخصصين لهذه المهمة، وانطلق إلى الحدود باتجاه أربيل، حيث أوقفه الجيش واتهم أفراده بسرقة المال العام. أخرج خليل التفويض ليثبت أن ملكية الحديقة خاصة وطلب السماح بالمرور لمعالجتهما، نظر إليه أحدهم متشككًا وذهب ليجري اتصالاته. جاءت الأوامر صريحة من الجنرال إذا خرج هذان الحيوانان من العراق سيوضع كل مسؤول في قفص مكانهما. هناك إذن تصور قاطع لدى من يملك السلطة: الحل موجود والعقاب قبله: رصاصتان في اليد وعسكر في أقفاص! وهكذا ظل الفريق مع القفصين على طريقة ترابية قرب الحدود في انتظار حل ما.

في تلك الأشهر الحاسمة، ذروة الحرب على داعش، لم يبدُ منطقيًا لكثيرين أن هذا وقت الاكتراث لشأن دبة وأسد، رغم ذلك كان الجنود يسترقون دقائق ويقتربون منهما ويلعبون معهما ويلتقطون لهما الصور ثم يرسلونها لأطفالهم وحبيباتهم وعائلاتهم، كذلك فعل الأهالي الذين يسكنون في أمكنة قريبة حين سمعوا بالأمر، فاصطحبوا أطفالهم في رحلة ترفيهية ليروا دبًا وشبلًا، كأنما يبحثون عن شيء يضاهي في دعته الخروج ولو لحظة من زمن الحرب. بعد تسعة أيام من المفاوضات والوساطات، أخيرًا، أفرج عنهما الجنرال. يستدرك خليل كيف تواصل معه يار الله لاحقًا في ما يشبه الاعتذار عن تلك الرصاصتين، وعن موقفه في تلك اللحظة غير المألوفة أثناء حرب الموصل الدامية.

 

لولا وسيمبا: الأمومة الحيوانية الإنسانية

اسم الدبة الآن لولا والشبل سيمبا، على اسم الأسد الشجاع الذي أنقذ حيوانات الغابة في فيلم والت ديزني الشهير. من يعرف الدبة البنية لولا اليوم يعرف أن قصتها تراجيدية، أبعد من الجوع وأكثر من الخوف، يقول خليل “من المعروف أن أنثى الدب حيت تخاف تأكل صغارها”. 

أكلت لولا في بيتها السابق بالموصل طفليها، تتذكر: “وصلت أصوات القصف في البداية، جنونية وصارخة، درنا بهستيرية في مسيجاتنا حاولنا الاختباء لكن عبثًا. ثم سقطت القذائف نفسها علينا ولم تعد بعيدة، مات حراس كانوا يعتنون بنا، مات كثير منا، مرت أيام لم يتفقدنا أحد، وصل جوعنا منتهاه، الرعب كان قصة أخرى، فأكلتُ الديسمين (الديسم صغير الدب)، أعدتهما إلى جسمي الذي عاشا فيه وأكلا منه من قبل”. تروي: “اللبؤة والدة سيمبا أكلت زوجها الأسد، رأيتها حين انقضت عليه وأطعمت نفسها وطفلها لحمه، طولّت جثة الأب في عمر الأم والابن لمدة. بعد ذلك، صامت إلى أن ماتت، لم تقترب من شبلها”. 

تعيش لولا اليوم برفقة بالو الذي التقت به في المأوى، وهذا دب آخر خُلّص من حديقة حيوان محلية في الأردن. في مسيجتهما ثمة بركة ماء يغطسان فيها من وقت إلى آخر، خاصة في أيام الحر. أما سيمبا فظل في المأوى ستة أشهر إلى أن تعافى وانتهى إعداد مسيجته في محمية في جنوب أفريقيا حيث يعيش الآن.

فصل الإنسان عن الحيوان يخلق ازدواجية زائفة لأن البشر حيوانات (…) اللغة تخلق مسافة مؤسفة لعواطفنا وعقولنا عندما ننظر في الوحشية الهائلة التي خلفتها الحرب على الحيوانات

قبل أسابيع، تناقلت الأخبار قصة امرأة قتلت رضيعها وطبخت رأسه وأكلته بعد أن ظلت أيامًا حبيسة منزل مملوء بالعنف والمرض النفسي والجوع، رجل أيضا في الفترة نفسها أجهز على عائلته بعد خسارته كل ما يملك، قال إنه خاف عليهم من الفقر. هذه وقائع يرتكبها أناس في كل مكان بتواتر سيخيفنا أن نعرف حجمه. القتل خشية الإملاق والجوع والخوف أو لمجرد القتل أمر مألوف في حياة البشر. بوضع ذلك في الاعتبار، يبدو من المجحف استخدام كلمة “إنساني” لدى الحديث عن النبل والتعاطف والتضحية، و”حيواني” لوصف كل ما هو عكس ذلك. حتى أن وحشية الإنسان أفظع ولا تغتفر من حيث أن ليس هناك ما يبررها فعليًا إلا الجنون، هذا الذي يعلق عليه الناس آمالا كثيرة في تفسير ما لا يطاق.

بل إن الواحد فينا قد يتفق مع العالم الهولندي فرانس دو فال، المتخصص في السلوك الحيواني، حين يقول في كتابه الاسثنائي “حضن ماما الأخير” إن “مصطلحات مثل الماشية وحيوانات المزرعة والحياة البرية، والحيوانات الأليفة، تعرّف الحيوانات من حيث استخدامها أو علاقتها بالبشر. فصل الإنسان عن الحيوان يخلق ازدواجية زائفة لأن البشر حيوانات (…) اللغة تخلق مسافة مؤسفة لعواطفنا وعقولنا عندما ننظر في الوحشية الهائلة التي خلفتها الحرب على الحيوانات”.

 
في الحيوان والحرب.. النجاة بمن تبقى

الدبة لولا. تصوير باولا فران

السلام بمعناه البري 

على حواف بلدة سوف في محافظة جرش التي تبعد 48 كيلومترا عن العاصمة عمّان يقع المأوى. انطلقت المصورة الفوتوغرافية باولا فرّان، يوليو (تموز) الماضي إلى هناك والتقطت 45 صورة يمكن لمن ينظر إليها أن يكوّن انطباعًا واضحًا عن المكان والحياة فيه، لا سيما وأن باولا حافظت على صورها بصيغتها الخام، بلا تحرير أو تلاعب بالضوء، بالغبش الذي صنعته الشمس القوية والسياجات التي حالت بينها وبين الاقتراب من الحيوانات أحيانًا. يكاد الكسل أن ينطق في الصور. رغم ذلك ما زالت الحيوانات تختبئ كلما مرت طائرة مروحية فوق المأوى، ذاكرة الخوف متوارية لا مفقودة. 

تلك المناطق الحرجية ذات الأشجار التي يعد بعضها نادرًا اليوم؛ بما فيها الصنوبر الحلبي والدلب والبطم والقيقب والسنجان والحيصبان، برائحة كل شيء تجففه الشمس ثم يرطبه الليل، بطيور الرفراف بأنواعها، بزواحف مؤذية ومخيفة وأخرى ليست مؤذية لكنها مخيفة رغم ذلك، بقبائل الحشرات التي تعيش تحت لحاء الأشجار المعمرة. هذا هو السلام البري الذي تعرفه حيوانات “المأوى” اليوم، دون أن يعني ذلك أنه المثالي لها.

تشارك باولا انطباعاتها ” على الرغم من أن الظروف في المأوى هي أفضل ما يمكن أن تكون عليه، ولا شك أنها تفوق ما كانت عليه في الأمكنة التي أنقذوا منها، إلا أن من المحزن أن هذه الحيوانات ليست موجودة في نظامها البيئي الطبيعي، وأنها مجبرة على ذلك. لم يكن أي منهم مضطربًا أو مكتئبًا، لكنني متأكدة أن هذا ليس مثاليًا بالنسبة إليهم”.

ورغم أن المساحات المخصصة لكل حيوان كبيرة تمكّنه من التجول والتريض أو النوم على فراش من القش، إلا أن التقاط صور جيدة لم يكن مهمة سهلة. تشرح باولا “جميع المسيجات محددة بشباك سلكية ضيقة، مما يجعل مجال الرؤية المتاح محدودًا. علاوة على ذلك، فإن هذه الحيوانات ليست مستأنسة، وتتراجع بسرعة إلى حظائرها عندما يقترب البشر. كانت الحيلة هي أن أذهب إلى المأوى أثناء وقت الغداء، لأزيد من فرصي في رؤيتهم. في بعض الحالات، خاصة الدببة، وُضع الطعام في أماكن محددة حتى نتمكن من التقاط صورة لها وهي تبحث عن الفاكهة، لكن النجاح لم يحالفني دائمًا، فكثيراً ما أدارت لي ظهورها لتأكل بسلام”.

في 2011، أطلقت مؤسستا “الأميرة عالية” وFour Paws مشروعًا من جزئين؛ الأول “مركز الأمل الجديد”، وهذا يستقبل الحيوانات لتقديم الرعاية الطبية وفيه تجري عمليات الحجر الصحي وإعادة التأهيل عبر برامج طبية متخصصة، وقد تعاد فيه الحيوانات بعد علاجها إلى موطنها الأم إن كان ذلك ممكنًا أو تطلق في البرية داخل البلاد، فالغزلان تطلق في مزارع، والضباع في محميات مختلفة خوفًا عليها من الصيادين.

إذا أراد رجل أن يختبر قدرته على الصيد، أقترح أن يجرب قرد البابون. لم يسبق أن قادني أي حيوان، ولا حتى الجاموس الأفريقي، إلى مثل هذه المطاردة العقيمة كما فعل هؤلاء الأوغاد الرماديون. حتى يومنا هذا لست متأكدًا من أن لدي عقلًا أفضل من عقل البابون

أما الجزء الثاني فهو “المأوى” الممتد على مساحة 110 هكتارًا، كما يقول مدير وحدة رعاية الحيوان في “محمية المأوى للطبيعة والبرية“، سيف الدين الرواشدة، حيث تعيش حيوانات لم يعد من الممكن إعادتها إلى بلدها الأم أو تحتاج إلى فترة رعاية وحجر صحي للتأكد من سلامتها. يحتضن المأوى اليوم 79 حيوانًا، من بينها 28 أسدًا أفريقيًا وأربعة نمور بنغالية، وعشرة دببة مختلفة الأنواع، إلى جانب الفهود والشيتا والضباع والذئاب والكلاب. في المسيجة الواحدة هناك غرف ليلية غير مغلقة، وهناك المساحات المحسوبة بحيث تتناسب مع طبيعة الحيوان وحجمه، وهناك مخصصات كافية يوميًا كمًا ونوعًا من الوجبات، بحسب سيف الدين، حيث يوجد 23 عاملًا في خدمة المأوى.

يعطي سيف الدين أرقامًا تقريبية عن التكلفة السنوية للعناية بهذه الحيوانات مبينًا أنها تختلف من حيوان إلى آخر، فكلفة رعاية الأسد الواحد مثلًا قد تبلغ أربعة آلاف دينار في السنة (5600 دولار تقريبًا)، بينما يتجاوز النمر هذه التكلفة لأن حاجاته أكثر تطلبًا، أما الدببة فعلى قمة موازنة الطعام، إذ قد تزيد تكاليف إطعام الدب الواحد سنويًا عن عشرة آلاف دينار (14 ألف دولار) لأن طبيعة طعامه ورعايته باهظة، وهذه كلها أرقام تقريبية، يؤكد سيف الدين.

في المحمية أيضًا سعادين الفرفت التي جرى تخليصها من عمليات تجارة غير مشروعة. إلى جانب زيتونة ورياض، قردان من البابون الفصيلة التي يعتبر الإنسان هو الحيوان المفترس بالنسبة إليها، فهي مستهدفة في عمليات صيد وتهريب على نطاق واسع لجلودها. ستجد أحد أشرس الصيادين، الأميركي ألكسندر ليك، يدوّن في كتابه “قتلة في أفريقيا”: “إذا أراد رجل أن يختبر قدرته على الصيد، أقترح أن يجرب قرد البابون. لم يسبق أن قادني أي حيوان، ولا حتى الجاموس الأفريقي، إلى مثل هذه المطاردة العقيمة كما فعل هؤلاء الأوغاد الرماديون. حتى يومنا هذا لست متأكدًا من أن لدي عقلًا أفضل من عقل البابون”.

لا يمكن الزعم أن المأوى هو المكان الأنسب لهذه الحيوانات، لكنه المحطة الآمنة الأقرب من حيث الموقع القريب من مناطق عاشت وتعيش صراعات ونزاعات مستمرة مما يجعل خطط الإنقاذ أقل عناء على الكائنات البرية لناحية الرحلة والنقل وأقل كلفة أيضًا. هنا حيوانات من العراق وسوريا والباكستان والسودان وليبيا وغزة. البعض يتلقى الرعاية والعلاج عدة أشهر ثم ينقل إلى محمية أخرى أنسب لطبيعته، فثمة 14 محمية في العالم، في فيتنام وجنوب أفريقيا وهولندا وغيرها، تستقبل بعضًا من هذه الحيوانات بعد إعادة تأهيلها في المأوى.

يقول أمير خليل إنه عرض مشروع المأوى على الدولة المصرية في عهد مبارك قبل أكثر من عشرين عامًا، لكن أحدًا لم يكترث لتنفيذه، رغم أن هناك إمكانية لمساحات أكبر في مصر وأقرب من حيث البيئة والقرب من أفريقيا، يضيف “طرحت الموضوع مرة أخرى الآن… سنرى”.

 
في الحيوان والحرب.. النجاة بمن تبقى

ساشا. تصوير باولا فران

 

عالم السحر في  صيف حلب 2017

كانت “ماجيك وورلد” تمتد على مساحة أربعة أميال مربعة خارج حلب. استولت عليها جماعات تنتمي إلى تنظيم القاعدة خلال الحرب واتخذتها مقرًا، لتصبح عرضة للغارات الجوية من كل طرف. احتضنت الحديقة الخاصة التي أسسها رجل الأعمال عزام المصاصاتي- اختطفته جماعات مسلحة في 2012 ودفع فدية ليطلق سراحه ثم غادر إلى أميركا وعهد بالحديقة لحارس فيها- 300 حيوان لم يبق منهم إلا 13. بعضهم مات تحت الغارات الروسية، أو ذهب ضحية النيران المتبادلة، بعض الحيوانات سيقت وبيعت في السوق السوداء، وكثير منها نفق جوعًا.   

بعد أن انتهى فريق الموصل من مهمته، انطلق إلى حلب عبر الحدود التركية. يقول خليل ردًا على طبيعة التفاوض مع هذه الجماعات، “نحن نتفق مع فريق من الأطباء والفاعلين في الداخل وكذلك كان هناك حارس الحديقة الذي ساعد حتى حين، ندفع المال لأطباء بيطريين ومهتمين بالحيوانات ليساعدونا، ولا ندفع شيئًا مباشرة للمسلحين، لكن من يتعاونون معنا من المحليين هم من يتصرفون في نقاط التفتيش وعند التحميل وما إلى ذلك من تفاصيل”. 

الخطة إخراج الحيوانات من حلب إلى عفرين ومنها إلى تركيا من خلال معبر جوبان بي، ثم من تركيا بالطائرة إلى الأردن. استغرق التخطيط عدة أشهر تضمنت التنسيق مع مسؤولين حكوميين واستخبارات ومنظمات إغاثة دولية ومستشارين عسكريين لفهم خريطة المنطقة شديدة التعقيد، والاستعانة بتدريب من شركات أمن دولية للفريق الذي يحتاج إلى التصرف عند اللزوم، والأهم من كل هؤلاء التأكد من وجود الوسطاء المجهولين الذين يلعبون أدوارهم بشكل سري داخل سوريا ويتفاوضون مع أمراء الجماعات التي تتنازع السيطرة.  

تعرضت العملية لأكثر من عائق، في البداية اعتبر مفتي الجماعة أن هذه الحيوانات أموال المسلمين ولكي يجوز إخراجها لا بد من تفويض من صاحب الشأن ولم يرض بالتفويض الورقي بل طلب فيديو من المصاصاتي المقيم في لويزيانا. ما أن حُلّت معضلة مال المسلمين، حتى منع المفتي إنقاذ الكلب الهاسكي لأنه نجس فيما سمح بإنقاذ الباقي. قبل التنفيذ بليلة وقعت معركة بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، فتغيرت نقاط التفتيش التي بُني عليها مسار قافلة الشاحنات، ووصلت إشاعة بأن هناك نية بالقبض على القافلة ونشر فيديو عن إنقاذ الحيوانات من مهربين. رغم ذلك استمر الجميع في العمل طيلة ليلة 21 تموز ، وحملت الحيوانات في أقفاص تزن 900 رطلًا. وانطلقت القافلة في خوف توقفها المعابر ويتواصل التفاوض حولها هكذا حتى عفرين، حيث اعتقد الجميع أن المتاعب انتهت.

عجيب أمر هذه القافلة! ينتهي تفاوض مع صاحب الحديقة ليدخل مع أمير جماعة، ثم يبدأ مع المفتي ثم مع المسلحين على الكمائن، ثم ضباط أكراد، ثم ينتهي مع الأكراد ليبدأ مع الأتراك

لدى الوصول إلى المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في عفرين، يخبرنا خليل، اشترط ضباط منهم أن تسمح الحكومة التركية لـ 250 من جنودهم الجرحى بدخول البلاد لتلقي العلاج وإلا لن يسمحوا لقافلة الحيوانات بالمرور. فبدأت جولة تفاوض أخرى من نوع آخر، تدخل فيها جهات مختلفة ووساطات من هذا وذاك، إلى أن تراجع الأكراد وسمحوا بالعبور. ولم يكن الأمر في تركيا بأفضل، توقفت القافلة وارتاح الفريق 24 ساعة، ظهر خلالها فريق أطباء جديد بالطعام والماء والغذاء والعلاجات اللازمة للحيوانات التي غسلت بالماء لتخفيف الحر عنها.

غير أن السلطات قررت أنها لن تجعل الأمر سهلًا، وأعلنت رغبتها في الاحتفاظ بالحيوانات على الأراضي التركية، لماذا تذهب إلى الأردن؟ بدا أن من الممكن استخدام الأمر كدعاية؛ سيقال إن الدولة التي تستقبل اللاجئين بالآلاف وتؤويهم، فتحت حدودها حتى للحيوانات الجائعة الجريحة. ماطل المسؤولون لأي سبب كان، وظلت الحيوانات حبيسة الأقفاص في قيظ الصيف لثلاثة أسابيع قبل أن يفرج عنها. يؤكد خليل “لم ينته الأمر إلا بتدخل دبلوماسي سياسي”.

عجيب أمر هذه القافلة! ينتهي تفاوض مع صاحب الحديقة ليدخل مع أمير جماعة، ثم يبدأ مع المفتي ثم مع المسلحين على الكمائن، ثم ضباط أكراد، ثم ينتهي مع الأكراد ليبدأ مع الأتراك، حتى حارس الحديقة بدأ يماطل في إكمال العملية إلا إذا نشرت المنظمة فيديو عن مساعدته لهم وعن أخيه وكيف رعى الاثنان الحديقة خلال الحرب، خاصة بعد أن تبين أن أحدهما كان يبيع من حيوانات الحديقة لأثرياء من لبنان والعراق، ومن بين ما باع تهريبًا نمرًا أبيض نادر بمبلغ 40 ألف دولارًا. الكل أراد من هذه الحيوانات شيئًا؛ المال والدعاية وحتى البراءة، وكل شيء تدخل في مصيرها من القسوة إلى الدين والسياسة والدبلوماسية والعلاقات والمصالح والمزاج طبعًا.

 
في الحيوان والحرب.. النجاة بمن تبقى

مارك. تصوير باولا فران

 

هويات بعض ركاب تلك الطائرة

وصلت تلك الرحلة من تركيا إلى الأردن في 10 آب (أغسطس) 2017. على متنها:

سلطان، نمر هزيل بعمر عام واحد أصيب تحت القصف، وبدأ الدود يخرج من جروحه الغائرة. عند تخديره ليحمل بالطائرة أصيب بسكتة قلبية ونجا منها بالأردينالين والصعق بالكهرباء. عاش سلطان في مأوى جرش ستة أشهر ثم نقل إلى محمية في هولندا. 

لوسي ركبت الطائرة أيضًا، الهاسكي التي تطلّب انتشالها مفاوضات تخصها وحدها ليتغاضى المفتي عن نجاستها ويسمح لها بالنجاة. 

دانا، لبؤة كانت حبلى ومريضة طوال الرحلة، وضعت ليلة وصولها إلى المأوى شبلة هزيلة أطلقوا عليها هاجر، ماتت بعد ولادتها بثلاثين يومًا. 

كاسي، الضبعة العجوز العمياء بأسنانها المحطمة. الآن تقضي معظم أيامها نائمة أو مستلقية في الظل.

سكر ولوز، دبان آسيويان أسودان. في البداية كان جسد كل منهما مليء بشظايا القصف، تحطمت أسنانهما من قضم القضبان خوفًا وجوعًا. عند وصولهما المأوى فُصل الاثنان كل واحد في مسيجة، حتى تعافيا. يصف خليل لحظة جمعهما في مسيجة واحدة بأنها ليست عادية، اقتربا من بعضهما بحذر ثم حين اكتشف كل منهما الآخر بدا وكأن ذاكرة مشتركة تدفقت بينهما، الآن يعيشان معًا.

حمزة وكهربا وحلب، أسدان ولبؤة. وصلوا هياكل عظمية بأجساد مدماة، اليوم حمزة له عائلة مع لبؤتين كانتا في المأوى من قبل سما ولونا، وكهربا له عائلته مع حلب ودانا.

 
في الحيوان والحرب.. النجاة بمن تبقى

كهربا ودانا وحلب. تصوير باولا فران

 

اسمي بوبلو، كنت بهلوانًا في حياة سابقة 

إذا ذهب أحدكم إلى السيرك وشاهد إنسانًا يعزف ودبًا مزينًا بملابس مبهرجة يرقص، فأرجو أن تضحكوا، وأن تضحكوا كثيرًا، فقد دفعت ثمنًا غاليًا لتتسلوا، لأستطيع التهريج بيدي الكبيرتين والوقوف على قدمي واحتمال الألم. أثناء التدريب كنت أقف على قطعة معدنية مرتفعة يشعلون النار تحتها، كان الإنسان يبدأ العزف ما أن تشتعل النار وكان المعدن تحتي يغلي ويحرق أقدامي المدهونة بالفازلين فأقفز وأقفز وأحاول ألا أسقط، والموسيقى تعزف والنار تتقد. من بعيد يبدو لمن ينظر إلينا أن هناك نوعًا من الانسجام بيني وبين العازف، وأنّ عندي أذن موسيقية تلتقط النغمات فيتمايل جسدي الكبير طربًا عليها، من كان ليصدق أن هذا ليس رقصًا بل ألمًا صرفًا.  

صحيح أن فترة التدريب الطويلة المضنية والوجع في قدمي صارا ذكرى، لكنها متجددة، ما أن يبدأ الإنسان في العزف حتى تشعل ذاكرتي نفسها النار تحتي بشكل لا إرادي فأبدأ القفز الذي يحبه الناس، وهكذا يصيح الأطفال: ما أحلى هذا الدب البهلوان يهرج ويرقص، وذاك فيل يفرح بالموسيقى، تلك أسود تقفز في حلقات النيران.. كلنا تدربنا بالقسوة نفسها. 

اسمي بوبلو عملت عشرة أعوام في سيرك في باكستان قبل أن آتي إلى المأوى، هذا مكان هادئ لا بأس فيه، لا أحد ينتظر مني أن أرقص ولا أحد يطلب مني شيئًا، فأنا الآن دب كهل لم أعد قادرًا على القفز حتى لو كانت الأرض جحيمًا تحتي. سعادتي في تناول تفاحة، أو القيام بوثبة صغيرة تكفي للاستحمام في البركة.

في الحيوان والحرب.. النجاة بمن تبقى

بوبلو. تصوير باولا فران

 

خوفًا على النمر العربي في تعز 

أثناء المقابلة مع الطبيب خليل أشار إلى نية المنظمة التدخل لإنقاذ الحيوانات في حديقة تعز -المدينة التي يحاصرها الحوثيون منذ سنوات- قال إن الأخبار والصور التي تصلهم مقلقة، مستدركًا أن المنطقة خطرة ويُخشى على أي فريق يدخل إليها من الاختطاف وأن ثمة خطة قيد النقاش الآن،  فلا يمكن الذهاب إلى هناك من دون تنسيق مع الأطراف المختلفة في مناطق السيطرة المختلفة، مضيفًا أن هناك تخوف حول مصير النمور العربية الأصيلة فيها. عند هذه الكلمات انقطع الإنترنت ولم يكن الاتصال مع خليل متاحًا مرة ثانية ذلك اليوم. 

فاستكملنا قصة حديقة حيوانات تعز من طرف آخر عامل فيها، يخبرنا عدنان أن “الحديقة في منطقة تسيطر عليها الحكومة الشرعية، لا يوجد خوف عليها، الحيوانات كلها بخير عمومًا، لدينا 23 نمرًا عربيًا أصيلًا. المشكلة في كمية الطعام، النمر العربي يحتاج ما بين 7 إلى 8 كيلو لحم في اليوم، هو الآن يحصل على ثلاثة كيلو فقط، اضطررنا لفصل الإناث عن الذكور لتجنب تكاثرها فليس هناك ما يكفي لتغذيتها”، بسماع ذلك لنأخذ في الحسبان أن النمر العربي على قائمة الحيوانات المهددة بالانقراض منذ عام 1996.

أما مدير الحديقة رشاد الحميدي، فلم يخفِ توجسه من الأسئلة ومنا، بدا مترددًا في الإجابة، ثم انطلق في ردود آلية مقتضبة لا تتيح الأخذ والرد “الحيوانات كلها بصحة جيدة، الدولة توفر ميزانية بشكل شهري عن طريق متعهدين يوفرون اللحوم والخضار والفواكه والأعلاف والحبوب، كل شيء على ما يرام، تضررنا قليلًا في بداية الحرب لكننا حصلنا على التمويل من الدولة وبعض المنظمات (…)، لدينا أسود ونمور ووشق وغرير ونسور وصقور و و…. الكل بخير”.

يكمل خليل في لقاء ثانٍ: “الخوف من تهريب النمر العربي، الذي يصل سعر الواحد منه إلى سبعين ألف دولار على الأقل، وبشكل خاص تهريبه إلى الإمارات”، -هل تقصد أن هناك حالات بيع لأفراد؟، -“ولهيئات”، ثم يذكر اسم واحدة منها.

 

في جو من الفيراري والفخامة، وهكذا عبث…  

في فيديو انتشر منذ مدة على انستجرام، يدخل أحدهم إلى مطعم في دبي ومعه حيوانه الأليف، ولم يكن هذا سوى شيتا (الفهد الصياد)، التي ظهرت في الكاميرا وهي تأكل اللحم على أرض المطعم. تقدر الحيوانات البرية التي يمتلكها أفراد في الإمارات بـ 3000 آلاف تزيد أو تنقص بقليل، وكلما كان الحيوان أغرب وأندر كان ذلك دلالة على المكانة والثروة، يظهر أن هناك مرحلة ما لا تكفي فيها لامبورغيني أو بورش، هناك حاجة إلى شيء مهرب وثمين ونادر وخطر ومثير، لنتذكر هنا ذلك السباق المغيظ الذي تسلى به أثرياء حين وُضعت شيتا في منافسة مع سيارة فيراري، وأُنهكت وهي تركض مسافات لا تقطعها من أجل فريسة في حياتها الطبيعية.

تشير تقارير في 2021 إلى أن 300 من صغار الشيتا تهرب سنويًا من القرن الأفريقي لتباع إلى أثرياء في الخليج، وأن هذا العدد يعادل نصف صغار الشيتا في بيئته الأصلية كل عام، إلى جانب أنه نوع انقرض في مناطق أصلية أخرى مثل الهند

في هذا الصدد، فإن دبي نقطة ساخنة في ما يخص تهريب الحيوانات (والنباتات مثل خشب الصندل وخشب الورد الأحمر الذي يحصد أصلًا بطريقة غير قانونية في أفريقيا لكن هذه قصة معقدة أخرى)، رغم أن الدولة أقرت قانون منع اقتناء الحيوانات البرية فعليًا في 2017، إلا أن الإمارة ما تزال نقطة عبور أساسية، الآن وقد اقترب موعد قمة التغير المناخي التي تستضيفها الإمارات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تزيد التصريحات والتعليمات والظهورات الإعلامية بشأن الحد من الإتجار بالحيوانات والجرائم البيئية بالعموم عبر حدودها. بينما تشير تقارير في 2021 إلى أن 300 من صغار الشيتا تهرب سنويًا من القرن الأفريقي لتباع إلى أثرياء في الخليج، وأن هذا العدد يعادل نصف صغار الشيتا في بيئته الأصلية كل عام، إلى جانب أنه نوع انقرض في مناطق أصلية أخرى مثل الهند. أي أن هذه الحيوانات تنتزع من البيئة الأم لتعيش في قصور لا تمت بيئتها للقرن الأفريقي بصلة، ألا يكون هذا تعذيبًا نفسيًا ليس أقل من ذلك الجسدي الذي تعرض له بوبلو في السيرك؟

في المأوى، هناك ساشا واحدة من حيوانات الشيتا التي أنقذت من اقتناء خاص غير شرعي في الأردن، كذلك الأسود بيهس وييرغا وشقرا وحوسا، وهؤلاء إخوة استعادتهم الجمارك من عملية تهريب وهم بعمر أربع سنوات من سوريا إلى الأردن أثناء الحرب عام 2013، في المأوى أيضًا تاشا وسكاي، نمران بنغاليان، جرى تخليصهما من عملية تهريب من الأردن إلى السعودية، وغيرهم آخرين…

من أواخر الثمانينيات وهذا هو عمل خليل الشائك والمعقد الذي اختصره في الأخير ببساطة متناهية: الرحمة لا تتجزأ …