fbpx
خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

جون سيناك.. شاعر دفنه الاستقلال

بشكل ما يُعتبر جون سيناك من آباء الأدب الجزائري، حرّض وتواطأ لأجله وصنع له ألف شمسٍ كيف يُضيء.. ولكن الجميع يُسقِطه من التاريخ.
ــــــــ استقلالــــــــ ماضي مستمر
4 ديسمبر 2021

في الخامس يونيو سنة 1967، أرسل الشاعر الجزائري جون سيناك خطاباً إلى وزير العدل وقتها، محمد بجاوي، يطالبه فيه بإعادة النظر في ملف طلب الجنسية الجزائرية، المُسجَّل في بلدية الجزائر العاصمة في تاريخ 15 يونيو 1965، والمُودَع لدى وزارة العدل، كما طالبه بالتعجيل في تسوية وضعيته ليصبح مواطناً جزائرياً وليتمكّن من التجنيد والمشاركة في الحرب ضدّ الكيان الصهيوني وعدم الاكتفاء بكتابة القصائد أو ما سمّاه “بضع شطحات غنائية”.

في 21 يونيو 1967، ردّ السيّد محمد بجاوي على سيناك برسالة استهلها بعبارة “صديقي العزيز”، قبل أن يضيف، “المشاعر التي عبّرتَ عنها في رسالتكَ، تُشرِّف الكاتب الملتزِم دائماً، ورجل النخبة -نخبة القلب والذكاء- وكنتُ سأقول، تُشرِّف الجزائري، لولا صرامة قانون الجنسية التي تنمنعي من ذلك”. وكان قانون الجنسية الذي صدر بعد الاستقلال يمنع منحها لكل شخص أجنبي لم يُقِم على الأقل خمس سنوات خلال ثورة التحرير على التراب الجزائري.

وُلد جون سيناك (يحيى الوهراني كما صار اسمه خلال ثورة التحرير) في سنة 1926 بمدينة بني صاف في الغرب الجزائري، ومات مغضوبا عليه من طرف النظام، مقتولاً بالقبو الذي كان يسكنه في الجزائر العاصمة في 30 أغسطس 1973، في ظروف غامضة من طرف رجلٍ متشرّد، دون أن يحصل على الجنسية الجزائرية.

جون سيناك.. شاعر دفنه الاستقلال

مصطفى كاتب، أحمد بن بلة، جون سيناك 1963. المصدر فيسبوك

ثورة تجرف الصداقة

في 28 مارس 1955، بين الساعة السادسة والساعة السابعة مساءً، ستقع أوّل مواجهة صريحة بين جون سيناك والكاتب ألبير كامو (1913-1960) في مكتبه بمنشوارت “غاليمار” في باريس، بسبب ثورة التحرير الجزائرية (1954-1962).

من أصول أوروبية، وُلد الكاتبان على أرض جزائرية، ونشآ بدون أب في أوساط شعبية فقيرة (سيناك مجهول النسب، أما كامو فقد مات والده في الحرب وهو لا يزال رضيعاً)، لتجمعهما فيما بعد علاقة إنسانية كبيرة ورِفقة أدبية ستبدأ بالرسائل المتبادلة ابتداءً من سنة 1947، ثم نشر الديوان الأول لجون سيناك في دار “غاليمار” في سنة 1954 بفضل كامو الذي كان يدير سلسلة “أمل” في دار النشر ذاتها، والذي اتّخذ قرار نشر المجموعة الشِّعرية التي قدّمها الشاعرُ الفرنسي رونيه شار. لتنتهي هذه الصداقة في سنة 1958 بآخر رسالة كتبها سيناك إلى كامو، مباشرة بعد إعدام المناضل عبد الرحمان طالب على يد القوات الاستعمارية الفرنسية.

بعد مواجهة مارس 1955، استبشر سيناك خيراً بموقف ألبير كامو الذي أعلن مساندته لفرحات عباس (مؤسّس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وعضو جبهة التحرير الوطني وأوّل رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة)، وعلى إثر هذا التطور في موقف كامو تجاه الكفاح الجزائري، نظّم سيناك في شهر أكتوبر من السنة ذاتها، لقاءً جمع الكاتب الكبير ووفداً من اتحاد الطلبة الجزائريين المسلمين في باريس والذي ضمّ رضا مالك وأحمد طالب الإبراهيمي. غير أن هذا اللقاء خيّب آمال جميع أعضاء الوفد.

وبعد سنتين، سيصرّح الكاتب ألبير كامو: “لقد قرّرت التزام الصمت فيما يتعلّق بالجزائر، لكي لا أزيد في محنتها ولا في الحماقات التي تُكتب عنها”، لينحاز بعدها بشكل نهائي إلى “أمه” على حساب العدالة مباشرة بعد فوزه بجائزة نوبل.

“الشمس تحت الأسلحة”

في يناير 1957، نشر جون سيناك نصّاً بعنوان “ضدّ تهدئة الشِّعر” في المجلة الثقافية اليسارية إكزيجونس التي كانت تصدر في باريس؛ هذا النص سيكون النسخة الأولى لكتاب “الشمس تحت الأسلحة” الذي سيصدر في أكتوبر من نفس السنة، والذي سيكون بمثابة “مانيفستو لردّ اعتبار الشعراء الجزائريين”، وردّاً مكتوباً على وزير الخارجية الفرنسي الذي صرّح آنذاك في الأمم المتحدة، بأن الثقافة في الجزائر فرنسية.

يقدم سيناك، في هذا الكتاب البيان، سرداً ذكيّاً لتاريخ المقاومة الجزائرية ضدّ الاستعمار من خلال “الكلمة الشِّعرية”، وذلك بنشر نصوص شعرية كُتبت بالعربية والأمازيغية والفرنسية من طرف شعراء جزائريين منذ القرن التاسع عشر وحتى خمسينيات القرن العشرين، ليؤكِّد بأنّ “الشعراء لم يصمتوا!”.

في هذا الكتاب كان مفقوداً والذي أعادت طبعه منشورات “تيراس” في فرنسا صيف 2020، يطرح سيناك، بالإضافة إلى إشكالية الكتابة والالتزام السياسي والوطني، إشكالية لا تقلّ أهمية، وهي التعدّد اللغوي في الجزائر، ومستقبل الكاتب الجزائري ذي الأصول الأوروبية الذي يناضل ضدّ الاستعمار ويكتب بالفرنسية.

كَحَلّ لهذه الإشكالية التي تتجاوز البعد الوطني إلى البعد الشخصي، سيقترح الشاعر جون سيناك تعريفا للكاتب الجزائري منذ السطور الأولى للكتاب: “الكاتب الجزائري هو كلّ كاتب اختار بصفة نهائية الأمّة الجزائرية”.

سيعزّز سيناك هذا التعريف بمقولة الكاتب مالك حدّاد، “عليكِ أن تبكي هذا الابن الذي أصبح طفلكِ، في اللحظة التي اختار فيها أن يناديكِ بأمّي”، وبتصريح فرحات عباس: “أوروبيو الجزائر هم جزء من الوطن المشترك”، وبهذه الجملة الواعدة التي تظهر في وثيقة أرضية مؤتمر الصومام 20 أغسطس 1956: “الجزائر الحرّة والمستقلة، ستحطِّم التقسيم العرقي المؤسَّس على التعسّف الاستعماري، وستطوِّر استناداً إلى قواعد جديدة، وحدة وأخوة الأمة الجزائرية.”

جون سيناك.. شاعر دفنه الاستقلال

(….)، أحمد عطالله، دوني مارتينيز، جون سيناك في المركز الثقافي الشعبي في البليدة 1967 .المصدر يوتيوب

ورشة الاستقلال

كتب الشاعر الفرنسي الكبير رونيه شار في مقدّمة الديوان الأول لجون سيناك والذي حمل عنوان “قصائد“، بأنّ: “شِعر جون سيناك، يشبه ورشة الشمس الهائلة”؛ تلى هذا الديوان صدور أكثر من عشرة دواوين أخرى، كتبها سيناك بمقاربات مختلفة ومتنوعة لجماليات اللغة، وبرؤى شِعرية تعكس الملامح الوجدانية للمراحل الإنسانية والنضالية والأدبية التي مرّ بها الشاعر أثناء عُمره القصير.

غير أن شمس سيناك لن تقتصر على الكتابة الشِّعرية فحسب، لكنّها ستصل إلى شواطئ النضال الوطني والأممي والنشاط الأدبي والإذاعي والسياسي. أسس في سنة 1950 المجلة الأدبية “صولاي” (شمس) والتي ستُنشر فيها النصوص الأولى لأهم الكتاب الجزائريين في القرن العشرين (محمد ديب، كاتب ياسين، مولود فرعون)، وفي سنة 1953 سيؤسس مجلة أدبية أخرى وهي مجلة “تيراس” (شرفات).

بعد اندلاع الثورة التحريرية، سيضع جون سيناك نفسه تحت تصرف “اتحادية جبهة التحرير الوطني بفرنسا”، ورغم أنّه لم يكن يتحدّث كثيراً عن نشاطه النضالي أثناء الحرب، إلا أنّ سيناك ساهم بشكل فعّال في تنظيم بعض الشبكات، وطبع المنشورات، وربط الاتصالات بين جبهة التحرير والحركة الوطنية الجزائرية، كما أنّه كان مسؤولاً عن الاحتفاظ بالنُسخ الأولى لأرضية مؤتمر الصومام، وهي واحدة من أهم وثائق ثورة التحرير الوطني، بالإضافة إلى عمله كمحرّر في صحيفة “المجاهد” ومسؤول عن طباعتها في سرية رفقة صديقه قادر كلاش.

يمكننا القول اليوم أن جزائر ما بعد الاستقلال كان ورشة سيناك الحقيقية، حيث أنه أسّس أوّل اتّحاد للكتاب الجزائريين، وأوّل غاليري فنّي في الجزائر المستقلة (غاليري 1954) رفقة الفنان التشكيلي محمد خدّة، وساعد عدّة فنانين تشكيليين لبدء مسيرتهم الفنية، سواء بنشر لوحاتهم في دواوينه أو لأنه قام بدور القيّم الفنّي قبل أن تُخترع الكلمة.

أيضاً، نشّط سيناك واحداً من أهم البرامج الثقافية في الإذاعة: “الشِّعر على جميع الجبهات“، والذي سيقدِّم فيه شعراء وقصائد من كلّ أنحاء العالم، بالإضافة إلى مواهب شِعرية جزائرية سيحرص على اكتشافها وتقديمها باستمرار من خلال لقاءات أدبية وأنطولوجيات مطبوعة.

هيّأ سيناك أرض الاستقلال، لم يكتفِ بالكتابة بل كان “ريحاً موجبة” كما يقول في قصائده، تنزع الأعشاب الضارّة وتغرس البذور.

مُواطنو الجمال

بعد طَرد جون سيناك من مكتبه في مقرّ منشورات “غاليمار” في بداية سنة 1958، انهار ألبير كامو واستقرّ رأسه بين ذراعيه، ثم رفعه وقد امتلأت عيناه بالدموع وقال: “ماذا لو كان هذا الفتى على حق”.

لكنّ الفتى الذي كان بلا شكّ على حق بانحيازه إلى العدالة على حساب أمّه وأبيه، والذي كتب في نشوة العودة غداة الاستقلال: “لقد حلمتُ/ هذا الشعب أكبر من حلمي/ أجمل كُتب الثورة هي جدران مدينتي” ثم في هوّة الخيبة: “ملعوناً/ مخدوعاً/ مطارداً/ أنا قمامة هذا الشعب”، لا يزال ينتظر أن تكتمل عدالة الثائرين وحريّة المستقلِّين، لا يزال ينتظر وثيقة تؤكّد بأنّ الثورة هي شريان الهوية الذي فرّق بين من انحاز إلى كرامة شعب وبين من تحالف مع فكرة الاستعمار وقوّته.

لا تزال مناهج الدراسة في الجزائر المستقلة تنتظر قصيدة “مواطنو الجمال” وقلوب الطَلبة مقطعَ وصف مشهد من يوم الاستقلال: “أحبّكِ/ ../ أنت جميلة كشاحنة مليئة بالضحكات”. لا يزال دليل الشعراء الثائرين ينتظر اسم جون سيناك إلى جانب مفدي زكريا، محمد العيد آل خليفة، الأمير عبد القادر وآنّا غريكي؛ هو الذي ترك إرثا شعريا هائلا (نشرت دار آكت سود الفرنسية، سنة 1999، مجلدا يضمّ أعماله الشعرية الكاملة في أزيد من 840 صفحة).

لا تزال جدران المدينة وأرصفتها وشوارعها تنتظر اسم شاعرها، ولا يزال الشاعر ينتظر ردّا ثورياً (لا إدارياً) على طلبه الالتحاق رسمياً بجزائر الاستقلال، التي كان أحد من صاغوها، الشاعر الذي لم يقدِّم ملفاً ولا أيّة وثيقة للالتحاق بثورة شعبه، للدفاع عن حقّه في الشِّعر واللغة والجَمال والوجود، هو الذي كتب للأجيال الآتية: “يا شباب بلدي/ أنا أكتب من أجلكم في المستقبل/ أنتم من ستأتون محرّرين من غضب الأسلاف/ أنتم من لن أكون بالنسبة لكم المضطهد/ أنتم من لن تغلقوا النّافورة على عطشي.”

جون سيناك.. شاعر دفنه الاستقلال

جون سيناك، مصطفى عكمون. المصدر: يوتيوب